واعلم أنا لم نكن لنذكر هذه المسألة هنا، إلا لأن خليفات ألمح في كتابه إلى أن بعض أهل السنة يجيزون ذلك؛ حين نقل عن كتاب جامع بيان العلم أن قومًا من أهل السنة تحامل على سيدنا الإمام مالك ابن أنس لفتياه بإتيان النساء في الأعجاز. فنقول: إن هذا كذب على الإمام مالك. وإننا نتحدى أي شيعي أن يأتينا بنص لأحد من أئمة أهل السنة في الفقه يجيز فيه ذلك. ولكن هذه طريقة الشيعة في كل أمر شنيع عندهم، أنهم يلصقون التهمة بالآخرين ليقولوا لسنا وحدنا القائلون بذلك. إنما المسألة خلافية، وبعض أهل السنة يقولون برأينا، فاعلم أن هذه المسألة ليست كذلك عند أهل السنة. وتنبه لطريقتهم.
الشبهة الثالثة:
قوله في كتابه تحت عنوان الباب الأول مع الأشاعرة: (بالرجوع إلى القرآن والسنة لا نجد أدنى إشارة إلى وجوب تقليد الأشعري وأحد الأئمة الأربعة) . اهـ
لاحظ أن المراد من هذه الشبهة أنه: لا يجب تقليد الأشعري ولا أحد الأئمة الأربعة، لأنه لا يجب تقليدهم إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا يوجد دليل فيهما على وجوب تقليدهم.
فنقول: لا يمكن أن تكون القضية هي المنع من تقليد المذكورين خاصة لأنه يقتضي أن يرد النهي عن تقليدهم خاصة، وهو لم يرد بالاتفاق. فلا بد من ورود النهي عن تقليدهم بلفظ يعمهم. ولا نجد لفظًا يعم الأئمة المذكورين غير لفظ العلماء، فإن رفضته فأتنا بلفظ يجمعهم ورد النهي به عن وجوب اتباعهم لننظر فيه. وإن قبلته فلا بد لكي يتم لك مرادك أن يرد النهي عن مطلق التقليد، أو عن تقليد العلماء مطلقًا، أو يرد الأمر بوجوب تقليد علماء مخصوصين حصرًا. لنا القول ببطلان الثلاثة. أما الثالث وهو وجوب تقليد علماء مخصوصين فباطل بالاتفاق، لأننا لا نجد عليه دليلًا ولأنك عقدت فصلًا كاملًا في إثبات النهي عن التقليد وإيجاب الأخذ من القرآن والسنة مباشرة من كل إنسان. وأما الأول ففي إبطال الثاني غنية عن إبطاله، لأن إبطاله يستلزم إبطال الأول.