فأقول: إشارته لوجود أسباب أخرى دعت الشيخ أبا الحسن إلى الاعتزال دون ذكرها إيهام للقارئ بأن الكاتب يعلم خبايا وحقائق خطيرة، لا يريد التفصيل فيها لأنه ليس المقام مقام بحثها. وهذا أسلوب تافه يلبس على الناس وينأى عن التحقيق، فإن الكاتب عرّف بالأشعرية في نصف صفحة، ومع هذه العجالة وحيث كان ينبغي أن يتكلم عن الأصول الأشعرية بما يعرف بمذهبهم، كان معظم كلامه عن الشيخ مع أن التعريف بالأشعرية لا ينبني من حيث هو مذهب عقائدي على التعريف بالشيخ ولا بغيره من العلماء رحمهم الله جميعًا، ووجد فسحة في المقام ليذكر أنه دام على الاعتزال أربعين سنة، ووجد فسحة في المقام ليدس بحاشيته هذه، ووجد فسحة ليقول:"إن الأشعرية يقلدون في الفقه أحد الأئمة الأربعة"مع أن هذا لا علاقة له بما نحن فيه من قريب أو بعيد، لأن الكلام في هذا الكتاب إنما هو على المذهب الاعتقادي، فلا داعي لذكر المذاهب الفقهية، فليس تقليدهم ولا اتباعهم ولا حتى اجتهادهم في الفقه جزءًا من مفهوم المذهب الأشعري؛ ووجد فسحة ليقول:"ولم يكن هؤلاء الأئمة على نفس عقيدة الأشعري، فالأشعري ولد بعدهم بسنوات، وكان أبو حنيفة ماتريديًا، وابن حنبل ومالك كانا على عقيدة أهل الحديث". اهـ. فبالله أهذا كلام عقلاء؟ فما المانع من أن يكون المتقدم على نفس عقيدة المتأخر أو أن يكون المتأخر على نفس عقيدة المتقدم؟ بل الأصل أن يجتمع المسلمون أولهم وآخرهم على عقيدة واحدة. إن من يدعي أن عقيدة الأئمة الأربعة هي على خلاف عقيدة الأشعري أو الماتريدي فعليه أن يأتي يأتي بالدليل، وهو أن يأتي بقول في مسألة عقائدية لا تحتمل الخلاف لأحد الأئمة المذكورين ويقابلها بقول الأشعري ويثبت تغاير القولين؛ ولا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن يثبت هذا الادعاء فضلًا عن هذا الغر. ولو وقع الاختلاف لنقل لتوفر الدواعي على نقله.