فمن سَلَّمَ لله واستسلم لأمره وأمر رسله-عليهم الصلاة والسلام-؛ سَلِمَ من الكفر والنفاق، ومن موجبات غضب الله، وأسباب لعنته وعقابه، ومن اعترض على شيء من ذلك، ورد على الله ورسله- صلى الله عليهم وسلم-؛ هلك وشقي، ولا يضر الله شيئًا.
وإذا نظرنا فيما وقع من ضلال وانحراف عن الملة السوية، والشرعة القويمة، في هذه الأمة وفيما قبلها من الأمم التي خلت- في أي مسألة من مسائل الدين، العلمية منها والعملية-؛ وجدنا أن سبب ذلك، والبذرة الأولى له: إنما هو الاعتراض على الله-عز وجل-، وعلى ما أرسل به رسله-عليهم الصلاة والسلام-!!، والإباء عن التسليم له سبحانه [1]
إما في فعله وقضائه وقدره، كما هو شأن القدرية [2] ،
(1) انظر: الصواعق المرسلة 4/ 1562.
(2) القدرية: فرقة منسوبة إلى القدر، والمراد بهم نفاة القدر الإلهي ومنكروه، القائلون بأن الله-تعالى عن قولهم- لم يقدر الأشياء قبل وجودها، وأنه لم يتقدم علمه ومشيئته بها، بل هي مستأنفة العلم.
ونشأة القول بهذا في الإسلام كانت في البصرة عند معبد الجهني، وكان ذلك بعد عصر الخلفاء الراشدين-رضي الله عنهم- وبعد إمارة أمير المؤمنين معاوية-رضي الله عنه- زمن الفتنة التي وقعت بين ابن الزبير-رضي الله عنهما- وبني أمية، فلما بلغ الصحابة ما أحدثه معبد من نفي القدر؛ أنكروا ذلك أشد الإنكار، وأعلنوا براءتهم من كل من يعتقد ذلك، كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-، كتاب الإيمان، باب كفر من نفى القدر 1/150-156 من (( شرح النووي ) ).
وسميت القدرية بهذا الاسم؛ لادعائهم لأنفسهم خلق أفعالهم، والتفرد بملكها والقدرة عليها دون الله تعالى. انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص: 99، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص: 361- 362.
والقول بنفي تقدم علم الله-تعالى- بالأشياء قبل وجودها هو قول غلاة القدرية قديما، ثم صار جمهورهم يقر بذلك، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. انظر الفرق بين الفرق ص:93، مجموع الفتاوى 7/ 385.