ولهذا كان المسلمون يراجعون الرسول r في أمور، وكانوا يقولون: أهذا وحيٌ ليس لنا أن نتقدم عنه، أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة. كما حدث في نزولهم عند بدر، وفي أسارى بدر، وكما امتنع السعدان من التنازل عن ثلث ثمار المدينة لغطفان بعد أن كان قد وعدهم بذلك.
وكان الرسول r يقر صحابته في كثير من هذه الأمور.
الفصل الثاني
علاقة الخليفة ( الإمام ) بالرسول
كما قلنا فيما تقدم، فإن علماء الفقه والأصول قسموا التصرفات الصادرة عن رسول الله r إلى تصرفات بالرسالة والفتيا، وهذه هي تبليغ وشرع يدخل في باب الدين. وقد قال الله تعالى فيها:? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? (المائدة:3) .
وتصرفات تخص القضاء والسياسة ( الدنيا ) ، وهي مترتبة على ما ظهر للرسول من الإمارات والبينات التي حكم وقضى بناءً عليها. وهي التي كانوا يراجعون فيها رسول الله r كما أسلفنا .
والآن نتساءل:
بعد إنتقال رسول الله r إلى الرفيق الأعلى، ماذا إنتقل من تصرفاته إلى الإمام الذي يليه؟
مما لا شك فيه أن الرسالة والنبوة لا تنتقل بعد رسول الله rإلى أحد، وأن سلطانه الديني غير قابل لأن يورث، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولا نبي بعده ورسالته هي خاتمة الرسالات السماوية، وقد إكتملت بأصولها وعقائدها وحلالها وحرامها قبل وفاة النبي عليه السلام.
وعلى هذا الأساس، فالسلطات التي تنتقل بعده إلى خلفائه، هي تلك التي تتعلق بمصالح العباد الدنيوية، وإن كانت مصالح الدين في أكثر الأحيان متعلقة بمصالح الدنيا ( [21] ) ، ولأن علة الرسول غير قائمة في الإمام، وطبيعة عمل الإمام هي طبيعة عمل الحاكم والأمير. فالرسول حجة، لأنه حجة فيما يؤديه عن السماء، أما الإمام فهو منفذ لما جاء به الرسول؛ وتجويز الخطأ على الرسول ينقض كونه حجة، وليس كذلك الإمام ( [22] ) .