وقلنا فيما مضى أن سنة رسول الله r هي من الذكر الذي تكفل الله تعالى بحفظه، لأنها مبينة وشارحة للقرآن، ولأنها من الدين الذي أتمه الله تعالى وأكمله ورضيه لنا. فحفظ كتاب الله تعالى يستوجب حفظ السنة، لأننا نجد بالإضطرار من أنفسنا أنه لولا السنة النبوية الشريفة لغاب عنّا الكثير من تفاصيل الشريعة الإسلامية.
لقد إتفق المسلمون جميعا ـ إلاّ الشيعة ( [37] ) ـ على أن الله تعالى قد تعهد بحفظ كتابه الكريم من التحريف والزيادة والنقصان، ذلك لأنه خاتمة الكتب السماوية لخاتم النبيين، وهذا يستدعي أن يتدخل الله تعالى في حفظه. ولكن هذا الحفظ لم يتم على أيدي ملائكة أنزلهم الله تعالى من السماء ليقوموا بحراسة الكتاب العزيز وبحفظه، ولا جعل فيه من داخله قوة رادعة تفتك بمن يريد تغييره وتحريفه؛ وإنما تم ذلك بأن هيأ الله تعالى لنبيه أصحابا أمناء قامت بهذه المهمة العظيمة، فبعد أن أجمعوا على ما صح عندهم أنه قرآن منزل جمعوه ونسخوا منه عدة نسخ وأرسلوا كل نسخة منها إلى مصر من الأمصار الإسلامية ليكون المرجع الأساس عند الإختلاف، ثم أمروا بحرق بقية النسخ التي كانت عند بعضهم كتبها بمفرده، ليقرأ فيه. وهكذا حفظ هؤلاء العظام كتاب ربهم بكل أمانة ونزاهة وأوصلوه إلى من بعدهم حفظا في الصدور وكتابة في الصحف، حتى وصل إلينا ـ والحمد لله ـ سالما من كل نقص أو تحريف.
هؤلاء الصحابة الذين هم حفظة كتاب الله تعالى الخالد هم أنفسهم حفظة سنة نبيهم r ونقلتها إلى الأجيال من بعدهم. فإما أن لا نثق فيهم في نقل القرآن، أو نثق بنقلهم لسنة نبيهم أيضا.