نعم لقد تحقق الوعد الإلهي بحفظ كتابه الكريم وسنة نبيه الشريفة على أيدي أصحابه الأمناء، ( وذلك لأن الأمانة لم يكن المقصود بها الجيل الأول الذي تلقاها عن الرسول r فقط ، فإذا مات الرسول محمد r? بعث الله رسولًا آخر يلتقي الناس مباشرة ليتلقَّوا عنه بلا واسطة. إنما المقصود بها أن تنتقل إلى العالم أجمع. والواسطة بين الرسول r وبين العالم ذلك الجيل الذي عاصر الرسول لا غير، فلا بد أن يكون أمينًا وإلا ضاعت الأمانة) ( [12] ) .
ومادامت السنة النبوية جزءا من الرسالة الإسلامية الخاتمة، وهي مبينة وشارحة للقرآن الكريم، فلابد أن تكون محفوظة مع حفظ الله تعالى لكتابه الكريم: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] . لأن إسم الذكر واقع على كل ما أنزل الله على نبيه r من قرآن أو من سنة يبين بها القرآن.
ولا شك أن سنة رسول الله r وحي منزل، فقد حفظها الله كما حفظ كتابه، وقيض الله لها علماء نقادا، ينفون عنها تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون؛ لأن الله سبحانه جعلها تفسيرا لكتابه الكريم، وبيانا لما أجمل فيه من الأحكام، وضمنها أحكاما أخرى، لم ينص عليها الكتاب العزيز، كأعداد الصلوات وكيفية إخراج الزكاة وأنصبتها. . . إلخ.
نسأل كيف عرفها النبي r ومن أين أخذها؟
والجواب: لا يخلو من وجهين:
الأول: من عند نفسه دون أن يرجع إلى الوحي. فلو حدث هذا كان النبي r مشرعا مستقلا عن الله تعالى، ووجب علينا إتباعه في شيء ليس هو في القرآن.
الثاني: أخذها عن الله تعالى عن طريق الوحي غير المكتوب، أي غير القرآن، وعندها صارت سنته وحيا متلوا غير مكتوب وجب علينا أيضا العمل بها.
فكلا الوجهين يثبت لنا أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله r إلى قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام، وهو القرآن.