وهذا يفسر لنا كثرة طلبة العلم من العجم في عهد التابعين. أنا لا أستطيع أن أنظر إلى هذا الأمر على أنه ظاهرة تلقائية، حدثت نتيجة التفاعل الطبيعي للعناصر الحياتية المؤدية إليها. مشكلة العرب أنهم ينظرون إلى الأشياء والأشخاص من خلال نفوسهم الطيبة غير المعقدة. قتل عملاق العالم في زمانه عمر بن الخطاب. هل يمكن القول: إن هذا العمل الخطير حصل من دون سابق مؤامرة؟! لكن انظر كيف تعامل ذلك الجيل مع الموضوع؟! لم يشغلهم إلا الجانب الديني الفقهي منه، حين قتل عبيد الله بن عمر جفينة النصراني والهرمزان المجوسي، اللذين دلت الدلائل كلها على أنهما المخططان الرئيسان للمؤامرة!!! لقد انتهى كل شيء عند هذا الحد! فلا تحقيق، ولا استفادة من الحدث في أخذ حذر وتحوط من تكرر الفعل - وقد تكرر بصورة أشد في قتل عثمان وعلي - في المستقبل القريب! العجيب أن التاريخ يروي لنا أن عليًا حين آلت إليه الخلافة عاد لينظر إلى الأمر من جانبه الديني الفقهي فقط، ويصدر أمرًا بملاحقة عبيد الله ليقتص منه! حتى قتل في صفين. مع أنه غير مكلف شرعًا بنقض حكم صدر من مجتهد معتبر هو عثمان بن عفان. ولديه من المشاكل العالقة الكثير، أولها مقتل أمير المؤمنين عثمان نفسه!
وظل العرب يطاردهم الهاجس الديني الفقهي، يستغرقهم النظر إلى الأمور من هذه الزاوية أكثر من غيرها من زوايا الحياة كالسياسة والأحقاد والثارات. وقد جرت عليهم هذه النظرة الكثير من الويلات
والكوارث والخراب.
ظاهرة كثرة الموالي الذين يطلبون العلم في زمن التابعين، واستبدادهم بمجالس علماء الصحابة، لا يمكن أن تخلو من قصد مسبق، وإرادة من عدو حاقد ماكر، يخطط لأخذ زمام الأمور والسيطرة والقيادة من العرب. وقد وجدوهم أناسًا منفتحين سهلي الطباع، جاء الإسلام ليزيد صفاتهم وطباعهم هذه رسوخًا: (لا إكراه في الدين) ، (ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ... إلخ. فاستغلوا هذه الثغرة أسوأ استغلال.