فسلك الأئمة طريق الاتباع لا الابتداع، وكان متبوعهم وقدوتهم وأسوتهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذا الباب هو ما جاء به إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن دين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم، كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» [17] ، قال النووي: «قال جمهور العلماء: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها اختلاف» [18] ، وقال ابن حجر: «معنى الحديث أن أصل دينهم واحد وإن اختلفت فروع الشرائع» [19] ، وهذا صريح قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقوله جل شأنه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] . ولهذا قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ، وإنما خص نوحًا وإبراهيم موسى وعيسى بالذكر لأنهم أرباب الشرائع وأولو العزم من مشاهير الأنبياء ولبيان الحق لمن يدعون متابعة بعضهم كاليهود الذين يزعمون اتباع موسى والنصارى الذين يزعمون اتباع عيسى، وإلا فما من نبي إلا وهو مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد وأصول الإيمان، وكذا الشرائع والأحكام التي لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار [20] .