الصفحة 4 من 11

ومن الغريب شيوع هذا الوهم، وهو دعوى أن تعدد المذاهب الفقهية معناه تعدد المذاهب العقدية، مع أن جميع الأئمة ما كانوا يدعون في باب الاعتقاد إلى مذهب حنبلي أو مالكي، أو غيرهما، قال ابن تيمية: «مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها» [5] .

لقد كان معتقد الأئمة الأربعة واحدًا؛ لأن مصدرهم في التلقي واحد، ووحدة اعتقادهم مسألة مقررة معلومة لدى أهل العلم، ولذا قال السبكي: «هذه المذاهب الأربعة - ولله الحمد - في العقائد واحدة إلا من لحق منهم بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول» [6] .

وليست وحدة الاعتقاد خاصة بالأئمة الأربعة وحدهم، بل جميع الأئمة وسلف الأمة كانوا على القول الحق الواحد في هذا الباب؛ لأن المذهب هو مذهب الصحابة الذي تلقوه عن نبيهم، و «الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على عقيدة واحدة؛ لأنهم أدركوا زمن الوحي وشرف الصحبة» [7] ، وتلقوا الاعتقاد من منبع واحد وهو منبع الوحي، ولم يكدروا صفوه بموارد أخرى، ولذا فهم «بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الاعتقاد، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم» [8] ، واتبعهم في ذلك بقية سلف الأمة وأئمتها بإحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت