وقال في معرض ردِّه على الاتحادية: «ولهذا لمَّا بيَّنت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم، وسرَّ مذهبهم، صاروا يُعظِّمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذمِّ لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجلُّ عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم، والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون» [7] .
لقد استطاع شيخ الإسلام ابن تيمية أن ينطلق بكلِّ صدق إلى آفاق متعددة، بنَفَسه الطويل، وحجَّته الواضحة، وعزيمته القوية؛ ليقول للناس جميعًا بكلِّ ثقة وقوة: إنَّ هذا الركام الهائل من التصورات البدعية والنحل الفكرية، دخيلة على منهج الإسلام الصحيح، بعيدة كل البعد عن منهاج النبوة والقرون المفضلة الأولى، ولا تثبت للتمحيص بالموازين العلمية الدقيقة.
وكان ابن تيمية يعرض آراءه وأقواله بعد طول بحث ونظر ودراسة، فلم يكن مقلدًا لأحد أو متعصبًا لقول، فها هو ذا يقول: «وقد طالعتُ التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفتُ من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنَّه تأوَّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم ا لمعروف، بل عنهم - من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أنَّ ذلك من صفات الله - ما يُخالف كلام المتأولين ما لا يُحصيه إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله - تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] » [8] .