فثروة هذا الإمام المجدِّد في المعارف الشرعية منقولها ومعقولها صقلت مرآة العلم الشرعي الأصيل، وأعادت الثقة من جديد بمنهج السلف الصالح - رضي الله تعالى عنهم - وأزالت الغبار المتراكم خلال عقود متتابعة من الزمن. ولا شك بأنَّ البحوث والدراسات والتحقيقات العلمية الماتعة، والكتابات القوية المؤصلة، التي جاء بها شيخ الإسلام ابن تيمية كانت ثمرة للمعاناة الكبيرة التي تحملها في مواجهة الملل والنحل والمذاهب المختلفة التي تموج بها الساحة الإسلامية في ذلك الوقت.
لقد نهل ابن تيمية من معين المنهج الكريم لسلف الأمة الأبرار - رضي الله تعالى عنهم - ثم شبَّ واستقام عوده عليه، ليُعلن بكلِّ قوة وجرأة الرفض الكامل لكلِّ الآراء والتصورات البشرية التي ليس لها حظ من الأثر الصحيح، أوالنظر الراجح أو الصريح، وهو إذ يعلن ذلك يعلنه في ثقة كاملة من هذا المنهج، وبمعرفة كاملة لحدوده ومعالمه وأصوله.. فها هو ذا يقول لمناظريه بكلِّ ثقة: «أنا أمهل من يُخالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلتُه، فأنا أقرُّ بذلك. وأمَّا ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامَّة الطوائف» [1] .
وقال في (مناظرة الواسطية) : «وقلتُ مرات: قد أمهلتُ كلَّ من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خير القرون القرن الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم) [2] - يُخالف ما ذكرتُه فأنا أرجع عن ذلك. وعليَّ أن آتيَ بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة - توافق ما ذكرته، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والأشعرية، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم» [3] .