وحدَّد العزُّ بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - الواجب على علماء الأمَّة بقوله: «ينبغي لكلِّ عالم إذا أذلَّ الحق وأخمل الصواب، أن يبذل جهده في نصرهما، وأن يجعل نفسه بالذلِّ والخمول أولى منهما، وإن عزَّ الحق فظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما» [12] .
ولعلَّ سيرة الإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية فيها القدوة والمثل الحي للعلماء والدعاة في كافة الأمصار وعلى كلِّ الثغور.
عجيب أمر العلماء المصلحين.. يواجهون بكلِّ أنواع الظلم والمحاربة والاستهزاء، ومع ذلك فهم صابرون محتسبون.
عجيب أمر العلماء المصلحين.. يخرج العالم منهم وحيدًا فريدًا يقف بمفرده أمام الأمَّة بمجموعها لا يضرُّه من خذله ولا من خالفه، يتألَّب عليه الخاصة، وينفر منه العامة، يصفونه بأقبح الصفات، ويتهمونه بأبشع الأخلاق، ومع ذلك فهو رافع الرأس، عالي الهمة، صادق العزيمة لا يضره من خذله أو خالفه.
ينظر المصلح إلى الناس من حوله فيجد الانحراف والضلال والبُعدَ عن شرع الله، فيتحرك قلبه، ويهتز ضميره، ويصبح ويمسي مفكرًا في هموم الأمة وأحوالها، يظل قلق النفس حائر اللُّب، لا يهدأ باله بنوم أو راحة، ولا تسكن نفسه بطعام أو شراب، وكيف يقوى على ذلك أو يرضى به وهو يرى أمته تسير إلى الهاوية، وفصول الهزيمة والاستكانة تتوالى تباعًا، وألوان البدع والمفاسد تنتشر في كثير من الأرجاء؟!.
إنَّ العالم الربَّاني صادق مع نفسه، صادق مع الآخرين، يجهر بالحق، ويُسمِّي الأشياء بأسمائها، ويكره التدليس والخداع وتزوير الحقائق، ولا يرضى بالمداهنة أو المداورة، وهذا ما لا يرضي العامة الذين ألهتهم شهواتهم وأهواؤهم عن ذكر الله وعن الالتزام بشريعته، كما لا يرضي الملأ المتنفذين الذين يستمدون وجودهم ومكانتهم من عجز العلماء وضعفهم، ومن غفلة العامة وسكرتهم.