الصفحة 15 من 211

ونقل عنه تلميذه ابن القيم قوله: «ما يصنع أعدائي بي، أنا جنَّتي، وبُستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة» [9] .

وكان يقول - رحمه الله تعالى: «المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه» [10] .

ما أحوج الأمة الإسلامية في هذا العصر إلى العلماء الربانيين الذين لم تتعلق أفئدتهم بالدنيا، بل تطلعت نفوسهم إلى رفعة الآخرة التي يُبيِّض الله بها وجوه أوليائه وأحبابه..

ما أحوجنا إلى العلماء المخلصين الذين أنار الله قلوبهم وعقولهم بنور العلم والإيمان.. الذين يتركون أبراجهم العاجية، وينزلون إلى الساحة الإسلامية، فيتعرفون على أحوال النَّاس وهمومهم ومشكلاتهم، فيتكلمون بلسانها، ويدافعون عن قضاياها، ويذبون عن حرماتها، ويعملون جادين على تربية الناس على دين الله - سبحانه وتعالى - بالموعظة الحسنة والقدوة الصالحة.

لقد تبوأ العلماء الربانيون في دين الإسلام منزلة جليلة دونها بقية المنازل، حيث شرَّفهم الله تعالى، وأعزَّهم ورفع أقدارهم، وأعلى منازلهم؛ قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

إنَّ العلماء هم سادة الأمَّة وقادتها، وهداتها لكلِّ خير، ومنذ الرعيل الأول وهم الذين يُوضِّحون السبيل، ويُبينون الطريق، ويُعلمون الناس حدود ما أنزل الله - عزَّ وجلَّ - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنهم هم الذين يحمون البيضة، ويرعون الحقوق، ويجيِّشون الأمَّة لمواجهة أعدائها.

قال أبو العباس أحمد التلمساني المقري - رحمه الله تعالى: «لمَّا تقلَّص الإسلام بالجزيرة، واسترد الكفار أكثر أمصارها وقراها، على وجه العنوة والصلح والاستسلام، لم يزل العلماء والكتاب والوزراء يُحرِّكون حميات ذوي البصائر والأبصار، ويستنهضون عزماتهم في كلِّ الأمصار» [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت