الصفحة 14 من 211

وتصدره للفتوى والتعليم والتدريس ما كان يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بل ذهب مع أصحابه - ومعه حجَّارون - لهدم صخرة تُزار ويُنذر لها، فقطعها [3] .

وذهب معهم ثانية إلى الخمارات والحانات، فكسروا آنية الخمور وأراقوها، وعزَّروا جماعة من أهل الحانات [4] .

وكان يستتيب المنحرفين والمشعوذين، ويدعوهم إلى التوبة والاستقامة [5] .

بل كان يعايش هموم الناس الخاصة، فلما سمع أنَّ الأمير قطلوبك الكبير يأخذ أموال الناس بالباطل جاءه ونهاه [6] .

ومواقفه وملاحمه كثيرة جدًا يصعب حصرها، ولكن من مواقفه الكريمة التي تستحق الدراسة والتأمل: ترفعه عن أهل الدنيا، فالناس لهم همٌّ، وابن تيمية له همٌّ أكبر وشأن أعظم.. وشى به بعض حسَّاده إلى السلطان الناصر، وذكروا له أنَّ ابن تيمية يطلب الملك..!! فأحضره السلطان بين يديه، وقال له: إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأنَّ في نفسك أخذ الملك؟! فقال له ابن تيمية بصوت عال سمعه كثير ممَّن حضر: «أنا أفعل ذلك..؟! والله إنَّ ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسين!» [7] .

واستمر شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الروح العالية، والنفس المطمئنة، حتى لقي ربَّه في سجن القلعة بدمشق. وبقيت كلماته العبقة الطاهرة في الثبات والصدق، درسًا حيًَّا لعامَّة العلماء والمصلحين، فها هو ذا يقول: «من أيِّ شيء أخاف؟! إن قُتلتُ كنتُ من أفضل الشهداء وكان ذلك سعادة في حقي، يُترضى بها عليّ يوم القيامة، ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة، فإن جميع أمة محمد يعلمون أني أقتل على الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن حُبستُ فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله عليَّ، وليس لي ما أخاف الناسَ عليه: لا مدرسة ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء..!» [8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت