وقال أيضًا: «ولهذا تجد قومًا كثيرين يُحبون قومًا ويُبغضون قومًا لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها؛ بل يُوالون على إطلاقها أو يُعادون من غير أن تكون منقولة نقلًا صحيحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمَّة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها. وسبب هذا: إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يُدعى إليها ويُوالي ويُعادي عليها» [22] .
ويُشدد في هذه المسألة بقوله: «معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل؛ بل هو جماع كلِّ كفر» [23] .
وظل ابن تيمية يُصارع رؤوس المبتدعة طويلًا، ويكشف زيوف أفكارهم ومعتقداتهم، ويظهر عوارهم ومخازيهم، الفرقة بعد الأخرى، والنحلة بعد الثانية. واستمر يواجه تلك الأمواج المتلاطمة، والأفواج المجتمعة، بسيف الحق، لا يضرُّه من خذله ولا من خالفه، ولاقى - رحمه الله تعالى - في هذه الطريق ألوانًا مختلفة من الكيد والابتلاء والعنت، ليس على أيدي المبتدعة والضُّلال فحسب، بل حتى من بعض الحسدة من علماء الدنيا المضللين والحكام الظالمين، ولكنه وقف بكلِّ قوته وصلابته لا يخشى في الله لومة لائم، لم تلن له قناة، ولم ينحن له سهم، ولم تضعف له عزيمة.. حدَّث عنه تلميذه البر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - قائلًا: «وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم؛ بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنَّا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة» [24] .
-مقدمة الطبعة الثانية 1-2
-مقدمة الطبعة الثانية 2-2
[1] مجموع الفتاوى (3/229) .