فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 505

وقيل: إن إياس بن معاوية القاضي كان من أكابر العقلاء، وكان عقله يهديه إلى سلوك طرق لا يكاد يسلكها من لم يهتد إليها، فكان من جملة الوقائع التي صدرت منه وشهدت له بالعقل الراجع والفكر القادح أنه كان في زمانه رجل مشهور بين الناس بالأمانة، فاتفق أن رجلا أراد أن يحج. فأودع عند ذلك الرجل الأمين كيسا فيه جملة من الذهب، ثم حج فلما عاد من حجه جاء إلى ذلك الرجل وطلب كيسه منه فأنكره وجحده، فجاء إلى القاضي إياس وقص عليه القصة، فقال القاضي: هل أخبرت بذلك أحدا غيري؟ قال: لا. قال: فهل علم الرجل أنك أتيت إلي؟ قال: لا. قال: انصرف وأكتم أمرك، ثم عد إلي بعد غد. فانصرف. ثم إن القاضي دعا ذلك الرجل المستودع فقال: قد حصل عندي أموال كثيرة ورأيت أن أودعها عندك فاذهب وهيئ لها موضعا حصينا. فمضى ذلك الرجل وحضر صاحب الوديعة بعد ذهاب الرجل، فقال له القاضي إياس: امض إلى خصمك واطلب منه وديعتك، فإن جحدك فقل له امض معي إلى القاضي إياس أتحاكم أنا وأنت عنده، فلما جاء إليه دفع إليه وديعته فجاء إلى القاضي وأعلمه بذلك. ثم إن ذلك الرجل المستودع جاء إلى القاضي طامعا في تسليم المال، فسبه القاضي وطرده. وكانت هذه الواقعة مما تدل على عقله وصحة فكره.

ولما مات بعض الخلفاء اختلفت الروم واجتمعت ملوكها. فقال: الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض، فتمكننا الغرة منهم والوثبة عليهم، وعقدوا لذلك المشورات، وتراجعوا فيه بالمناظرات، وأجمعوا على أنه فرصة الدهر. وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفة

والرأي غائبا عنهم، فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه.

فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صوابا.

فسألوه عن علة ذلك فقال: في غد أخبركم إن شاء الله تعالى. فلما أصبحوا أتوا إليه وقالوا: قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم بما عولنا عليه، فقال: سمعا وطاعة. وأمر بإحضار كلبين عظيمين كان قد أعدهما، ثم حرض بينهما وحرض كل واحد منهما على الآخر، فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل على الكلبين ذئبا كان قد أعده لذلك، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتآلفت قلوبهما ووثبا جميعا على الذئب فقتلاه. فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه فهذه صفة العقلاء.

وأما ذم الأحمق: فقد قال ابن الأعرابي: الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي، فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور.

والحق غريزة لا تنفع فيها الحيلة وهو داء دواؤه الموت.

قال الشاعر:

لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلّا الحماقة أعيت من يداويها

والحمق مذموم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل» ويستدل على صفة الأحمق من حيث الصورة بطول اللحية لأن مخرجها من الدماغ، فمن أفرط طول لحيته قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله، ومن قل عقله فهو أحمق. وأما صفته من حيث الأفعال فترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه، والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب، وكثرة الالتفات والخلو من العلم، والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة والسهو والخيلاء، إن استغنى بطر وإن افتقر قنط، وإن قال أفحش وإن سئل بخل، وإن سأل ألحّ، وإن قال لم يحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحك قهقه، وإن بكى صرخ، وإن اعتبرنا هذه الخلال وجدناها في كثير من الناس، فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت