وانقلك إلى موضوع المناسبة بين الآيات أو علم المناسبة، وقد قالوا: ان أول من أظهر علم المناسبة الشيخ أبو بكر النيسابورى وكان واسع العلم في الشريعة والأدب.
تأمل سعة العلم في الشريعة والأدب معا
وأذكر مرة ثانية بأنه لا بد أن نقوم ببسط الفكرة من بعض جوانبها أو تحويرها أو مجرد الاستضاءة بها، وليس المطلوب تطبيقها ونحن هنا نحاول أن نفتح الجداول التى تجرى فيها فنون المعرفة وتتحرك في البنية التركيبية لمجموعة العلوم العربية والاسلامية لأنه قد حبس بعضها عن بعض، بل قد أهمل بعضها وأميت في مدارسنا وجامعاتنا. وأقول: ان اعادة التداخل والانتقال وتنشيط حركة الانتقال بين المعارف محتاج إلى ذكاء ولقانة في حوار الأفكار وتحريكها حتى نتبين الجهة التى تبعث ضوءا مناسبا للسياق الجديد، ثم انه لا يستطيع كاتب في وقت محدود أن يخرج من الفكرة فكرة صالحة لسياق جديد لأن هذا باب من العلم المتسع لا يفتح الا بمكابدة وطول طرق، ونحن لم نتعود على ذلك وانما تعودنا على تحصيل ما كابد الآخرون في استخراجه، وانما اختلفنا فقط من حيث كنا فريقين: فريق يكابد في تحصيل مقالة علمائنا، وفريق يكابد في تحصيل مقالة العلماء المنتسبين إلى الحضارات القاهرة لنا، وبهذا فقد الفريقان أجل ما في العلم وأنبله، وهو المكابدة الجليلة النبيلة في استخراج دفائنه.
أقول هذا ثم أذكر ما يقع في نفسى من حديث المناسبة لو أننا انتفعنا به في الدراسة الأدبية، وأول ما يتبادر إلى النفس منه هو البحث الذى يكشف المناسبة بين العناصر المكونة للقصيدة من صور ورموز وصيغ وخواطر وأحوال، وقد ذكروا أن عمود البحث في المناسبة «أو الأمر الكلى المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذى سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج اليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى
ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة التى تقتضى البلاغة شفاء الغليل، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فاذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة».