فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 403

[229] «1» فإن قيل: قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) [المائدة: 31] ، يدل على أنّ قابيل كان تائبا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة» ؛ فلا يستحق النار.

قلنا: لم يكن ندمه على قتل أخيه؛ بل على حمله على عنقه سنة، أو على عدم اهتدائه إلى الدفن الذي تعلّمه من الغراب، أو على فقد أخيه لا على المعصية، ولو سلمنا أن ندمه كان على قتل أخيه، ولكن يجوز أن الندم لم يكن توبة في شريعتهم، بل في شريعتنا، أو نقول: التّوبة تؤثر في حقوق الله تعالى لا في حقوق العباد، والدّم من حقوق العباد، فلا تؤثر فيه التّوبة.

[230] «2» فإن قيل: كيف يكون قتل الواحد كقتل الكل، وإحياء الواحد كإحياء الكل والدليل يأباه من وجهين:

أحدهما: أن الجناية كلما تعددت وكثرت كانت أقبح فتناسب زيادة الإثم والعقوبة، هذا هو مقتضى العقل والحكمة.

الثاني: أن المراد بهذا التشبيه إما أن يكون تساوي قتل الواحد والكل في الإثم والعقوبة، أو تقاربهما، وإنما كان يلزم منه أنه إذا قتل الثاني أو الثالث وهلم جرا أن لا يكون عليه إثم آخر، ولا يستحق عقوبة أخرى؛ لأنه أثم إثم قتل الكل، واستحق عقوبة قتل الكل بمجرد قتل الأول، أو الأول والثاني؛ لأن قتل الواحد إذا كان يساوي قتل الكل أو يقاربه، فقتل الاثنين يجعل عليه إثم قتل الكل وعقوبة قتل الكل؛ فكيف يزداد بعد ذلك بقتل الثالث والرابع وهلم جرا، ولو قتل الكل لما ازداد عن قتل الكل وعقوبة قتل الكل، ولا يجوز أن يستحق بقتل الواحد أو الاثنين إثم قتل الكل، وبقتل الكل إثم قتل الكل! قلنا: أقرب ما قيل فيه أن المراد من قتل نفسا واحدة بغير حقّ كان جميع الناس خصومه في الدنيا إن لم يكن له ولي، وفي الآخرة مطلقا، لأنهم من أب وأم واحدة.

وقيل: معناه من قتل نفسا نبيا وإماما عادلا فهو كمن قتل الناس جميعا من حيث إبطال المنفعة على الكل؛ لأن منفعتهما عامة للكل.

وقيل: المراد بمن قتل هو قابيل، فإن عليه من الإثم بمنزلة إثم قتل الكل؛ لأنه أول من سن القتل؛ فكل قتل يوجد بعده يلحقه شيء من وزره بغلبة التسبب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من سنّ سنّة حسنة» الحديث؛ وهذا أحسن في المعنى؛ ولكن اللفظ لا يساعد عليه، وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما) [المائدة:

32]؛ لأنّ هذا المعنى إذا أريد به قابيل لا تختص كتابته ببني إسرائيل.

(1) ( [229] ) الحديث أخرجه أحمد في مسنده: 1/ 376.

(2) ( [230] ) الحديث أخرجه مسلم في باب الزكاة، حديث 1017، وأحمد في مسنده: 4/ 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت