وَلَمْ يَغْفُل أَهْلهَا مُنْذُ أَوَّل اَلْأَمْر عَنْ هَذَا اَلْأَثَر بَلْ هَالَهُمْ أَمْره وَلِعِنَايَة
بِعَقِيدَتِهِمْ أَوْ عِنَايَة بِقَوْمِيَّتِهِمْ أَوْ لِشَيْء مِنْ اَلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا هَبُّوا يُحَاوِلُونَ أَنْ
يَحْفَظُوا عَلَى اَلْعَرَبِيَّة تَمَاسُكهَا ويوقوها اَلتَّخَلْخُل وَالتَّحَلُّل لِيَظَلّ لَهَا مِنْ اَلْقِوَام
مَا تُهْدَى بِهِ إِلَى مُرَاد اَلدَّيْن وَغَرَض اَلْقُرْآن وَمَقْصِد اَلْمُشَرِّع وكا إِلَى ذَلِكَ مِنْ
أَهْدَاف تِلْكَ اَلرِّسَالَة اَلَّتِي اِضْطَلَعَ أُولَئِكَ اَلْعَرَب بِإِبْلَاغِهَا وَنَشْرهَا.
جَدُّوا لِيَخْلُصُوا جَوْهَر اَلْعَرَبِيَّة وَيَصِفُوا مَعْدِنهَا وَرَأَوْا أَنَّ اِلْتِمَاس ذَلِكَ لَا يَكُون
إِلَّا عِنْد مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلهَا بِمَوْطِنِهَا فَلَا سَبِيل إِلَى شَيْء مِنْ هَذِهِ اَلسَّلَامَة عِنْد مَنْ
ديف بِالْعُجْمَةِ وَذَوَّبَ فِي اَلِاخْتِلَاط إِلَّا أَنْ يَكُون شَيْء يَسِير لَا يُقَاس بِمَا عِنْد
اَلْخُلَّص اَلَّذِينَ عَلَى فِطْرَتهمْ فَبَذَلُوا اَلْجُهْد فِي طَلَب اَلْمَحْفُوظ مِنْ اَلْعَرَبِيَّة فِي
جَزِيرَتهَا.
وَجَمَعُوا مَا شَاءَ اَللَّه وَشَاءَ لَهُمْ اَلنَّشَاط اَلْجَادّ أَنْ يَجْمَعُوا وَأَيْقَنُوا فِي اَلْوَقْت
نَفْسه أَنَّ مَا ضَاعَ عَلَيْهِمْ وَأَفْلَتَ مِنْ يَدهمْ كَثِير بَعْد مَا أَمْسَكُوا وَحَفِظُوا وَلَكِنْ
لَا حِيلَة.
خَرَجُوا إِلَى اَلْبَادِيَة حَيْثُ اَلْبَقِيَّة اَلْبَاقِيَة مِنْ خَالِص اَلْعَرَبِيَّة أَوْ قَدَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ
تِلْكَ اَلْبَادِيَة أَوْ اِسْتَقْدَمُوا هُمْ إِلَى حواضرهم مِنْ أَهْلهَا مَنْ اِسْتَقْدَمُوا لِيُقَدِّمُوا لَهُمْ
مَا عِنْدهمْ وَلِيَتَلَقَّوْا مِنْهُمْ بِالْمُمَارَسَةِ اَلْمُشَافَهَة اَلَّتِي هِيَ طَبِيعَة اَلْأَمْر فِي
تَلْقِين اَللُّغَات وَأَقْرَب اَلطُّرُق وَأُسَلِّمهَا فِي كَسْب اَللُّغَة اَلْحَيَّة.
وَمَا كَانَ ذَلِكَ اَلتَّلَقِّي بِالْمُمَارَسَةِ لِيَدُومَ أَجْيَالًا طِوَالًا فَمَا لَبِثَ اَلْبَاقُونَ
بِالْبَادِيَةِ أَنَّ تَغَيُّر حَالهمْ وَمَا لَبِثَ اَلْقَادِمُونَ إِلَى اَلْحَاضِرَة أَنْ لِأَنَّ جِلْدهمْ كَمَا
قَالُوا مَا يَحْكُونَ مِنْ نَادِر لَاحَكَم لَهُ عَنْ أَهْل حَيَّيْنِ بِالْيَمَنِ ظَلُّوا بَاقِينَ عَلَى
اَللُّغَة اَلْفُصْحَى مِنْ اَلْجَاهِلِيَّة حَتَّى مَطْلَع اَلْقَرْن اَلثَّالِث عَشَر اَلْهِجْرِيّ لَمْ يَخْتَلِطُوا
بِغَيْرِهِمْ مِنْ اَلْحَاضِرَة فِي مُصَاهَرَة وَلَا يَسْمَحُونَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُقِيم عِنْدهمْ أَكْثَر مِنْ
ثَلَاث لَيَالٍ خَوْفًا عَلَى لِسَانهمْ وَهُمْ أَهْل قَرَار لَا بِالْإِغْوَاءِ عَنْ مَنَازِلهمْ وَلَا يَخْرُجُونَ
مِنْهُ وَمَنْ يَدْرِي!
وَلِمَا عَزَتْ اَلْمُمَارَسَة اَللُّغَوِيَّة وَالتَّلَقِّي اَلْمُبَاشِر عَنْ مُشَافَهَة فَزِعُوا إِلَى اَلطَّرِيقَة
اَلثَّانِيَة وَهِيَ اَلْمُدَارَسَة وَكَسْب اَللُّغَة بِالتَّعَلُّمِ وَهِيَ طَرِيقَة تَحْتَاج إِلَى اَلْقَوَاعِد
وَالْأُصُول وَالضَّوَابِط وَالْأُسُس اَلَّتِي يُرَاضِ بِهَا مُتَعَلِّم اَللُّغَة فَذَهَبُوا يَلْتَمِسُونَ هَذِهِ
اَلْخَصَائِص وَالْمَعَالِم اَللُّغَوِيَّة وَالْقَوَانِين اَلتَّعْلِيمِيَّة بِالْإِغْوَاءِ مِنْ مَجْمُوعهمْ فِي
اَللُّغَة مَا اِسْتَقْرَءُوا وَاقْتَبَسُوا مِمَّا حَوْلهمْ مَا اِقْتَبَسُوا حَتَّى قَرَّرُوا مِنْ أُصُولهَا مَا
قَرَّرُوا وَأَلَّفُوا فِي ذَلِكَ وَتَدَرُّج اَلتَّأْلِيف وَتَطَوُّر وَاتَّسَعَ وَنَضِجَ بَلْ اِحْتَرَقَ بَعْضه بَعْد