وَسَبَب هَذَا اَلَّذِي وَصَفْنَا مِنْ حَالنَا وَحَال هَذِهِ اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة اَلَّتِي تَلَقَّيْنَاهَا بِهَا
وَتَلَقَّاهَا كَذَلِكَ عَشَرَات مِنْ اَلْأَجْيَال قَبِلْنَا إِنَّمَا هُوَ سَبَب تَارِيخِيّ اِجْتِمَاعِيّ تُلَخِّصهُ
سِيرَة سَابِقَة وَحَدِيث قَدِيم.
ذَلِكَ هُوَ:
أَنَّ هَذِهِ اَللُّغَة قَدْ عَاشَتْ فِي مَهْدهَا مِنْ اَلْجَزِيرَة اَلْعَرَبِيَّة مَا عَاشَتْ مِنْ اَلزَّمَن
وَشَمَلَهَا جَمِيع فِي عِزَّة مِنْ أَهْلهَا حَتَّى كَانَتْ الخرجة اَلْكُبْرَى وَالْهِجْرَة اَلْبَعِيدَة
اَلْمَدَى اَلَّتِي دَفَعَهُمْ إِلَيْهَا اَلْإِسْلَام إِذَا دَعَاهُمْ إِلَى نَشْر دَعْوَته وَنَدْبهمْ لِإِقَامَة
دَوْلَته فَخَرَجَتْ اَللُّغَة مَعَ آلَاف أَهْلهَا اَلَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى اَلْمَشْرِق اَلْقَدِيم وَأَقْصَى
اَلْمَغْرِب اَلْمَعْرُوف فَتَفَرَّقَتْ مَعَهُمْ اَللُّغَة أوزاعا وَمَزَّقَا فَمَا كَانُوا وَكَانَتْ حَيْثُ هُمْ
وَهِيَ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ أَوْ اَلشَّعَرَات اَلْبَيْضَاء فِي اَلثَّوْر اَلْأَسْوَد وَكَأَنَّمَا ذَوَّبُوا فِي
هَذِهِ اَلدِّمَاء وَالْأَلْسِنَة وَالْأَجْنَاس اَلَّتِي خَالَطُوهَا مِنْ أَسْوَد وَأَحْمَر وَأَصْفَر. .
وَجَعَلَتْ هَذِهِ اَلْعَرَبِيَّة تَتَفَاعَل مَعَ مَا خَالَطَتْ مِنْ لُغَات فَلَا تُعْطِي فَقَطْ بَلْ كَانَتْ
تَأْخُذ كَذَلِكَ سِنَة اَلْحَيَاة فِي اَللُّغَات وَالْحَضَارَات اَلْغَالِبَة وَالْمَغْلُوبَة.
وَكَانَ يُسَانِدهَا فِي ذَلِكَ اَلصِّرَاع حِينًا مِنْ اَلدَّهْر سُلْطَان دُون دَوْلَة قَوِيَّة
وَإِمْبِرَاطُورِيَّة وَاسِعَة مُوَحَّدَة أَوْ كَالْوَحْدَةِ دَهْرًا فَلَمَّا اِنْحَلَّتْ عُقْدَة اِتِّحَادهَا
وَتَوَزَّعَتْهَا دولات مُخْتَلِفَة اَلْمَنَعَة مِنْهَا عَرَبِيَّة وَمِنْهَا غَيْر عَرَبِيَّة ظَلَّ يُسَانِدهَا
اَلْإِسْلَام بِقُوَّتِهِ اَلْمَعْنَوِيَّة دَهْرًا طَوِيلًا فِي كُلّ مَكَان حَتَّى اَلْيَوْم لِأَنَّهَا لُغَة
كِتَابِيَّة وَلِسَان ثَقَافَته وَالسَّبِيل اَلْوَحِيد لِمَعْرِفَتِهِ.
وَغَالَبَتْ اَلْعَرَبِيَّة هُنَا وَهُنَاكَ وَهُنَا لَك وَفِي هَذَا الغلاب اَلطَّوِيل وَالصِّرَاع
اَلْمَرِير اِنْتَهَى بِهَا اَلْأَمْر حِينًا إِلَى ظَفَر وَاسْتِقْرَار هُنَا وَهُنَاكَ وَحِينًا اِنْتَهَى
أَمْرهَا إِلَى هَزِيمَة وَتَقَهْقُر هُنَا وَهُنَالِكَ فَخَرَجَتْ مِنْ أَسْبَانْيَا مَثَلًا وَكَادَتْ تَخْرُج
مِنْ إِيرَان وَتُرْكِيَا وَمَا اِحْتَلَّتْهُ مِنْ أَقَاصِي اَلشَّرْق فِي آسْيَا مِمَّا صَارَ اَلْآن مِنْ
اَلْجُمْهُورِيَّات اَلسُّوفْيِتِيَّة. .
وَهَذَا اَلتَّذْوِيب فِي اَلْمَزْج اَلَّذِي صَادَفَهُ أَهْلهَا فِي اَلْوَاسِع اَلْفَسِيح مِنْ أَقْطَار
اَلْأَرْض وَبَيْن اَلْمَلَايِين مِنْ اَلدِّمَاء اَلْمُخْتَلِفَة حَرَّى بِأَنْ يُخَفِّف مِنْ كَثَافَة مَادَّتهَا
وَقُوَّة تَمَاسُكهَا وَيُخَلْخِل نَسِيجهَا مُنْذُ اَللَّحْظَة اَلْأُولَى اَلَّتِي بَدَأَ فِيهَا فَيَدْخُل عَلَيْهَا
اَلضَّعْف وَالْوَهْن فِي صَوْغهَا وَتَرْكِيبهَا وَبَيَانهَا إِذَا تَفْعَل بِهَا اَلْأَلْسُن مَا تَفْعَل
دَائِمًا بِاللُّغَةِ وَلَا مَفَرّ مِنْ وُقُوعه عَلَى مَا تَقَرَّرَ سَنَة اَلْوُجُود فَبَدَأَ فِيهَا مُنْذُ أَوَّل
اَلدَّهْر وَبَدْء اَلْجَوْلَة اَلْإِسْلَامِيَّة اَلْمُهَاجِرَة تَغَيُّر عَاجِل وَاضِح وَكَانَ تَطَوُّر مُسْتَقِرّ
مُتَّصِل.