طَبِيعَة اَلْحَيَاة لَمْ تَكُنْ تَحْتَمِل ظُهُور هَذِهِ اَلطَّرِيقَة اَلْعَمَلِيَّة اَلْعِلْمِيَّة إِلَّا فِي هَذَا اَلْعَصْر
بَعْد أَنْ تَهَيَّأَتْ لَهَا اَلْأَسْبَاب وَلَا ذَنْب لِهَؤُلَاءِ اَلْأَوَّلِينَ فِي أَنَّهُمْ عَاشُوا مُنْذُ بِضْعَة عَشَر
قَرْنًا وَعَاشُوا فِي أَزْمَة اِجْتِمَاعِيَّة لُغَوِيَّة هَدَّدَتْ اَلْعَرَبِيَّة فَسَارَعُوا إِلَى جَمْعهَا كَمَا أَمْكَنَ
وَكَمَا لَمْ يَكُنْ يُمْكِن سِوَاهُ - بِجُهْد مَشْكُور وَقَدْره اَلنَّاقِدُونَ قَبْل تَقَدُّمهمْ بِهَذَا اَلنَّقْد
المتبغدد. وَمَنْ نَقُدْهُمْ اَلْيَوْم لِلْجَمِيعِ أَيْضًا: -
2 -نَقْد بَرْنَامَجهمْ فِي اَلْجَمْع. . وَقَدْ هَذَا يَقُولُونَ"وَكَانَ بَرْنَامَجهمْ أَلَّا يَأْخُذُوا عَنْ"
حَضَرِيّ قَطُّ. . وَلَا مِمَّنْ خَالَطَ الحطر , وَمِنْ أَهْل اَلتُّخُوم , وَكُلَّمَا أَمْعَنَتْ اَلْقَبِيلَة فِي
اَلْبَدَاوَة كَانَتْ أَوْلَى بِالنَّقْلِ عَنْهَا كَقَيْس وَتَمِيم وَأَسَد , ثُمَّ هذيل وَبَعْض كِنَانَة وَبَعْض
اَلطَّائِيِّينَ"وَلَكِنْ مَوْضِع اَلْخَطَأ فِيهِمْ أَنَّهُمْ قَرَّرُوا أَنَّ اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة لَيْسَتْ إِلَّا هَذَا"
اَلَّذِي جَمَعُوهُ وَكَانَتْ اَلنَّتِيجَة اَلطَّبِيعِيَّة لِهَذِهِ اَلنَّظْرَة أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَلَّا يَسْتَعْمِل اَلنَّاس
أَيَّام اَلدَّوْلَة اَلْعَبَّاسِيَّة اَلْبَالِغَة مَبْلَغًا عَظِيمًا مِنْ اَلْحَضَارَة إِلَّا مَا كَانَ يَسْتَعْمِلهُ هَؤُلَاءِ
اَلْبَدْو فِي مَعِيشَتهمْ اَلْبَدَوِيَّة , وَمُحَال ذَلِكَ لِهَذَا رَأَيْنَا اَللُّغَة غَنِيَّة عَنَى مُفْرِطًا فِي
أَدَوَات اَلْبَدْو , وَمَعِيشَة اَلْبَدْو وَفَقِيرَة جِدًّا فِي حَاجَات اَلْمَدِينَة , وَلِهَذَا اِضْطَرُّوهُمْ أَوْ
غَيْرهمْ بِجَانِب عَمَلهمْ هَذَا إِلَى اَلتَّعْرِيب بَعْد أَنْ أَعْرَضُوا نُزُولًا عَلَى حُكْم اَلطَّبِيعَة وَتَطَوُّر
اَلْعُمْرَان وَخَلَطُوا مَا أَخَذُوا عَنْ اَلْقَبَائِل بِمَا عَرَّبُوهُ عَنْ اَلْأُمَم اَلْمُتَمَدِّنَة فَأَضَاعُوا
بِذَلِكَ اَلْقَاعِدَة اَلْأُولَى اَلَّتِي رَسَمُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ وَهِيَ اَلْأَخْذ عَنْ اَلْعَرَب اَلْخُلَّص فَقَطْ وَلَوْ
كَانُوا أَدْرَكُوا هَذِهِ اَلنَّتِيجَة لسمحوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ أَوَّل اَلْأَمْر بِالْأَخْذِ عَنْ اَلْقَبَائِل
اَلَّتِي اِخْتَلَطَتْ بِالْعَجَمِ فَهُمْ عَلَى اَلْأَقَلّ أَوْلَى مِنْ اَلْعَجَم اَلصَّرْف اَلَّذِينَ عَرَّبُوا عَنْهُمْ.
وَقَدْ يُورِدُونَ هَذَا اَلنَّقْد فِي عِبَارَة أُخْرَى مُلَخَّصَة لَا بَأْس بِأَنْ تَسْمَعهَا وَهِيَ:
"وَتَحَرَّجُوا - أَيْ اَلْجَامِعُونَ لِلُّغَةِ - مِنْ أَنْ يَأْخُذُوا اَللُّغَة عَمَّنْ جَاوَرَ اَلْحَضَر مِنْ قَبَائِل"
اَلْعَرَب سذا كَانَتْ وُجْهَة نَظَرهمْ أَنْ يَأْخُذُوا اَللُّغَة مِمَّنْ صَفَّتْ لُغَتهمْ وَبَعُدَتْ عَنْ اَلدَّخِيل
وَكَانَتْ أَمَامهمْ وُجْهَة نَظَر أُخْرَى مُحْتَرَمَة أَيْضًا وَهِيَ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ اِخْتَلَطَ بِالْحَضَرِ فَإِنَّ
لُغَتهمْ أَوْسَع وَأَلْفَاظهَا قَدْ رَقَّقَتْهَا اَلْحَضَارَة.
فَهَلْ حَقًّا تَرَى هَاتَيْنِ اَلْوُجْهَتَيْنِ للنظد مُحْتَرَمَتَيْنِ فِي سَبِيل اَلْغَرَض اَلَّذِي مِنْ أَجْله كَانَ
هَؤُلَاءِ اَلْأَوَّلُونَ يَجْمَعُونَ اَلْعَرَبِيَّة وَهُوَ تَدَارُكهَا فِي أَلْسِنَة اَلْخُلَّص قَبْل أَنْ تُغَيِّرهَا
اَلْحَضَارَة بِتَرْقِيق وَسِعَة!! إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَهَا لِيُجَنِّبُوهَا هَذَا اَلتَّرْقِيق وَالتَّوْسِيع
ثُمَّ لَا عَلَيْهِمْ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يُعْرِبُوا هُمْ أَوْ غَيْرهمْ فَيُقَدِّمُوا لِلْحَيَاةِ حَاجَاتهَا وَيَضِيقُوا
إِلَى جَانِب اَلْفَصِيح اَلْأَصِيل اَلَّذِي حَفِظَ جَوْهَر اَلْعَرَبِيَّة وَرُوحهَا مَا عَرَّبُوهُ هُمْ فَأَكْسَبُوا
تِلْكَ اَلرُّوح اَلْعَرَبِيَّة وَأَعْطَوْهُ اَلصُّورَة اَلْعَرَبِيَّة بَعْد مَا عَرَفُوا هَذَا كُلّهمْ وَاسْتَشَفُّوهُ مِمَّا
جَمَعُوا مِنْ خَالِص اَلْعَرَبِيَّة فِي لِسَان خُلَّص أَهْلهَا!!