عادلة على المستفيدين من هذه الخدمات. 2 - الإيرادات المتأتية من الأملاك العامة التي تتضمن حقًا مشتركا في الانتفاع للأمة كلها: وهي الأملاك التي يشترك في الانتفاع فيها الناس كلهم كملح مأرب "من ورده أخذه". إن التطور التكنولوجي الحديث يقتضي - في معظم الأحوال - أن الانتفاع من الماء والكلأ والنار والملح وما شابه ذلك مما يشترك فيه الناس يحتاج إلى استثمارات قد تكون ضخمة في كثير من الأحيان، مثل مد شبكات المياه في المدن، وتحضير المراعي العامة، وإمدادها ببذور الأعشاب المغذية للحيوانات، وغير ذلك. والسؤال الذي يرد هنا هو: هل يقتضي مفهوم حق الاشتراك في الانتفاع أن لا تفرض الحكومة أي رسم، أو ثمن، لهذه المنافع يتجاوز تكلفة الاستثمارات التي قامت بها لتيسير الإفادة من هذه المنافع للناس؟ أم أنه يمكن للدولة معاملة أسعار هذه الخدمات مثل معاملة الخراج، فتزيد فيها أو تنقص، حسب مقتضيات المصلحة العامة والعدل؟ وبمعنى آخر، هل يقيِّد حقُّ الاشتراك في الانتفاع، الذي قرره الرسول، صلى الله عليه وسلم، حرية الحكومة بأن لا يزيد الثمن عن تكلفة إنتاج هذه الخدمات؟ وعلى فرض تقيد الحكومة بهذا الموقف، بالنسبة للماء والكلأ والنار والملح وما شابهها، فإن ذلك لا يشكل كل جوانب السياسة المالية الإسلامية، لأن كثيرًا من الحكومات تقدم الكثير من الخدمات العامة بأسعار مدعمة من قبل الدولة. أي أن كثيرًا من الخدمات العامة، وبخاصة الماء، والكهرباء، والهاتف وغيرها، تعرضها الحكومات في كثير من البلدان بأسعار تقل عن التكلفة مما يطرح مسألتين لابد من بحثهما. واحدة تتعلق بالعجز المالي الناشئ عن ذلك، ومن يتحمله. أما الثانية فتتعلق بما يرد من سياسات على الأسعار المدعمة، من حيث رفع المعونة أو التخفيف منها. وسنتعرض لهاتين المسألتين عند الحديث عن سياسات الإنفاق العام. ثالثًا: الضوابط الشرعية للسياسات المالية المتعلقة بالضرائب: إن كون الزكاة الفريضة المالية الوحيدة في النظام الاقتصادي الإسلامي، التي تجب على الإنسان لأنه يملك مالا، أو هي الفريضة الوحيدة على المال لأنه"متمول"لا يعني عدم إمكان وجود وجائب مالية أخرى، عامة أو خاصة، ولكنه يعني أن جميع الوجائب الأخرى ليست مفروضة على المال نفسه أو على الإنسان لمجرد أنه غني - أي يملك المال. فالنفقة على الأقارب، وقرى الضيف، وسد حاجة الفقير والمسكين، والجزية على أهل الذمة، وعشور تجارة أهل الحرب، وغير ذلك من وجائب مالية عرفها النظام الإسلامي، إنما تتوجب لأسباب أخرى، هي حاجة الأقارب، ونزول الضيف، وحاجة الفقير والمسكين، والدخول في حماية الدولة الإسلامية، صلحا أو حربا، وإدخال بضاعة أهل الحرب إلى أراضي المسلمين، وغير ذلك من أسباب. وإنما اعتبر وجود المال شرطا لها، كالحج يجب بسبب الإسلام وشرطه الاستطاعة وأمن الطريق. وهذا يعني أن النظام المالي الإسلامي لا يقبل مبدأ أخذ جزء من مال الغني جبرا بسبب كونه غنيا، سواء أكان هذا الأخذ الإجباري كاملا، باسم الغصب أو المصادرة، أم كان جزئيا باسم ضريبة، تفرض على الغني لأنه يملك المال. ومن جهة أخرى، فمعلوم أن"