كسياسة اقتصادية طويلة الأجل لتحقيق النمو الإقتصادي، بأنها عملية يزداد بواسطتها الدخل الوطني الحقيقي للاقتصاد خلال فترة زمنية طويلة، وإذا كان معدل التنمية أكبر من معدل نمو السكان، فإنّ متوسط دخل الفرد الحقيقي سيرتفع. المحور الثاني: الضوابط الشرعية لسياسة الإيرادات العامة بعد أن تعرفنا على بعض الأساسيات النظرية حول السياسة المالية وغيرها، ننتقل إلى صلب موضوعنا، حيث نتناول الضوابط الشرعية للإيرادات العامة، فالضوابط الشرعية للإنفاق العام، وأخيرًا وسائل إدارة العجز (أو الفائض) في الميزانية في الاقتصاد الإسلامي. من المعروف أن سياسات الإيرادات العامة يمكن تقسيمها إلى أنواع ثلاثة من الإجراءات هي: - إجراءات تتعلق بمعدلات الضريبة دون تغيير في بنية النظام الضريبي في البلد؛ - إجراءات تتعلق بتغيير البنية الضريبية، مما يؤدي إلى تعديلات في مجموعات دافعي الضرائب، بحيث يحصل تحول من مجموعة إلى أخرى، فتزيد حصة التجار مثلًا في تحمل أعباء مالية الدولة، وتنقص حصة العمال، أو العكس؛ - إجراءات تتعلق بتحصيل الضريبة، من توقيت التحصيل، ونوعيته: نقدًا أم عينًا، وسائر ظروف التحصيل. وسنقوم بدراسة الضوابط الشرعية لسياسات الإيرادات العامة لهذه الأنواع الثلاثة من الإجراءات، مقسمين البحث إلى ثلاثة أجزاء: جزء أول يتعلق بالزكاة، وجزء ثان يتعلق بالإيرادات العامة الناشئة عن الأملاك العامة للدولة. أما الجزء الثالث فيتعلق بالضرائب نفسها. أولًا: الضوابط الشرعية لسياسة جباية الزكاة: من المعروف أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد حدد نسب أو معدلات الزكاة على الأموال الزكوية التي كانت موجودة في عصره، وهذا التحديد توقيفي - بإجماع أهل العلم الذين يعتد بأقوالهم. وبالتالي فلا يصح التغيير في أي من هذه النسب، فلا يمكن للسياسة المالية للزكاة أن تنحو منحى التعديل في نسب الزكاة على الأموال المختلفة. وكذلك فإن ركنية الزكاة وصفة العبادة التي تتميز بها لا تجعلان من الممكن التغيير في بنية الأموال الواجبة فيها إلا من خلال الاجتهاد القائم على النصوص من جهة، وفهم الواقع المعاصر وإدراكه من جهة ثانية. فإذا توصل ذلك إلى رأي أخذ به، دون أن تترك الأموال الخاضعة للزكاة مسرحًا للسياسة المالية توسيعًا أو تضييقًا، وعليه يمكن إرجاع ذلك إلى ضابطين هما: أ- الضابط الأول: يتعلق بسياسة تحصيل الزكاة، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، قدم تحصيل الزكاة من عمه لعامين، وإن عمر، رضي الله عنه، أخر الزكاة في الحجاز عام الرمادة، وأمر أن تجبى من قابل عن عامين. وقد اختلفت المذاهب في ذلك، فقال كثيرون بإباحة تعجيل الزكاة (بالنسبة للمزكي نفسه) ، وقال البعض بعدم جواز التعجيل إلا أن يكون يسيرًا. أما التأخير للمزكي فالجمهور على الفورية، ويرى بعض الفقهاء جواز التأخير للمزكي، وبخاصة إذا كان مسبَّبا. و حسب آراء بعض فقهائنا وعلمائنا المعاصرين فإنه يمكن القول بجواز تقديم أو تأخير تحصيل الزكاة - عندما تقوم الحكومة بتحصيلها وتوزيعها - إذا رأت الحكومة مصلحة في ذلك. ويمكن استعمال سياسة التقديم والتأخير حسب المصالح العامة للأمة،