نشاط إنساني: فرديا كان أو اجتماعيا أو دوليا يخرج عما يريده الله وعما بينه في شريعته ... لا يقال عنه فحسب إنه"خارج سبيل الله"، ولكن يقال عنه بحق: إنه"اعتداء على سبيل الله".
وفي هذا يقول فيلسوف الإسلام أبو الحسن العامري في كتابه"مناقب الإسلام": (لم يِشَك أحد أنه صلى الله عليه وسلم كان متمسكا في سيره بصورة عبد قد أخلص الولاية لمولاه، وعلم أن عباده كلهم قد انتهكوا حرمته وخلعوا طاعته، واستعانوا بأموالهم على أبواب عصيانه، فحملته سجية الوفاء لمولاه وخلق الحفاظ لأياديه على نهيهم وزجرهم، فبالغ فيه بالقول أزمنة طويلة حتى إذا أيس من ارعوائهم وأيقن أن الوعظ لا ينجع فيهم ذهب في علاجهم مذهب الطبيب المتحدب، الذي خاف إتيان الداء العضال على نفس العليل، وعلم أن السبيل إلى استبقائه غير موجود إلا بقطع عضو من أعضائه، فأوقع في مغازيه بعدد من القتلى، تدرجا إلى استنقاذ الجمهور من الهلك والردى، وذلك لتيقنه من أن المحمولين على شرف الدين في مبدأ أمرهم كرها متى وقفوا على فضائل دعوة الحق أخيرا فإنهم بعد الاستيضاء برونقها سيعتدون له بجسيم المنة وجزيل النعمة، ويقبلون على خدمة مولاهم ليتلافوا به فارطهم، فتصير أحوالهم فيه شبيهة بحال المأخوذ في صغره بالتأديب، وهو يبغض مؤدبه حتى إذا عقل وانتبه أيقن موقع النعمة العظيمة فالتزم شكره واعتقد إحماده) .
ومن هنا تسقط المعركة المصطنعة حول الجهاد، وهل هو هجومي، أو دفاعي ... الخ، إذ يكون مجرد وجود نمط من السلوك البشري على هذه الأرض مخالف لشريعة الله التي بينها في رسالاته التي حملها الأنبياء ... يعني أن اعتداء وقع علي سبيل الله، ما كان ليقع من غير الإنسان الممتحن - والمنعم عليه معا - بخاصة الاختيار.
من أجل هذا كان كل قتال بنية إقامة سبيل الله ودفع اعتداء عليه في المجتمع الإنساني - بوعي المختار وتبصره وحكمته - ... هو في سبيل الله، {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} ، ومن هنا كانت صور الجهاد في سبيل الله لا تعني فحسب رفع راية"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، ولكنها تعني مع ذلك وبوجه عام: إقرار شرع الله في المحافظة على النفس والدين والعقل والنسل والمال وفقا لمقاصد الشريعة وأحكامها.
يقول الله تعالى في البعد الكوني: {إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت، ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير} ، وذلك في سياق البعد التعاقدي للقتال في سبيل الله بعد آيتين اثنتين من قوله: {إن الله اشترى ... } ، هنا يتضح عمق المسألة الذي يربطها بالبعد