الصفحة 8 من 17

التعاقد الذي عقده مع ربه لتكون له الجنة؟ إنه إذا لم يفعل شيئا من ذلك قام الدليل عليه أنه لم يصدق حق الصدق في تعاقده، ولم يصدق حق الصدق في إيمانه، لقد دهم إيمانه شيء من النقص، أو شيء من الوهن، أو من الفسق، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بجامع الترمذي بسنده قالَ: (مَنْ لَقِيَ الله بِغَيْرِ أثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ الله وفِيهِ ثُلْمَةٌ) . فهو إذن على شعبة من النفاق كما جاء في حديث سابق.

ومن هنا كان الجهاد لا يعد شيئا في الإسلام إلا إذا كان في سبيل الله حقا وصدقا.

وفي"سبيل الله"؛ تعني أنه ليس من الصواب أن يقاس الجهاد بمقياس الحرب الدفاعية أو الهجومية، لأن كلا الوصفين ناشئ من قيمة واحدة يصدران عنها، وهي قيمة التملك، فعندما تكون المسألة هكذا يمكن أن يقال؛ هي دفاع عن هذا الملك، أو هجوم عليه؟

ولكن المسألة في الإسلام تصدر من قيمة أخرى أعلى وأسمى وأشمل، هي قيمة الحق الذي يعبر عنه في الإسلام بـ"سبيل الله"انتصارا له أو اعتداء عليه.

ففي رواية للبخاري بسنده عن رسول الله صلى لله عليه وسلم أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .

وعندئذ فالجهاد في سبيل الله حركة تصويب، وإرجاع إلى سبيل الله بعد أن يزيغ عنه البشر، يتبين ذلك من جهة أن الجهاد في"سبيل الله"في الإسلام يقوم على بعدين: أحدهما تعاقدي وقد قدمناه في قوله تعالى: {إن الله اشترى} ، والثاني كوني، أما البعد الكوني فيتم التعبير عنه بعبارة هي من ذاتيات الإسلام؛"في سبيل الله".

وتوضيح ذلك: أن كل ما في الوجود يتحرك في سبيل الله، وإشكالية الإنسان أنه قد أراد الله له أن يتحرك حركته في سبيل الله - كما هو الشأن في المخلوقات جميعا - ولكن باختياره وإرادته.

في سبيل الله بالنسبة للطبيعيات؛ هو ما نسميه"قوانين الطبيعة"، بالنسبة للشمس كذا، وبالنسبة للقمر كذا، وهكذا .. بالنسبة للرياح، والذرة، والخلية الحية، والزهرة، و ... الخ.

أما في سبيل الله بالنسبة للإنسانيات؛ فهي أوامره تعالى ونواهيه، أوامره ونواهيه في الدين والأخلاق، والتشريع والجهاد والتربية والاقتصاد والإعلام ... في سبيل الله بالنسبة للإنسان تعني: انخراط كل نشاط إنساني في حركته وفقا لإرادة الله وأوامره ونواهيه، وإذن فكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت