الصفحة 6 من 17

وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ وَجِهادٍ في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصوا حَتّى يَاتيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدي الْقَوْمَ الْفاسِقينَ.

حقيقة الإيمان إذن - سواء على مستوى النية أو على مستوى الفعل - تقتضي تسليم النفس وما تملك لله تعالى، لا لأنه هو الخالق المالك وحده بغير شك فحسب، ولكن لاستقامة أمر ملك الله، وملك الله لم يكن الإنسان فيه غير ترس من تروس الماكينة الكونية الكبرى المصنوعة بصنع المالك، ولا يسمح لهذا"الترس"أن يخرج عن نسق الكل وإلا سمي"فاسقا"واستحق من ثم ألا يهديه الله. حقيقة الإيمان إذن تقتضي تسليم النفس.

أما الجزاء على ذلك بالجنة مع كونه جزءا أساسيا من عقد الإيمان فقد كان محض فضل من الله تعالى.

إن الثمن الذي يأتيه نظير تسليمه النفس والمال يأتيه تفضلا من مالك الملك، مالك النفس والمال، ولهذا جاء التعبير عن قضاء الثمن بكلمة"بانتدب"التي تفيد التفضل، قال صلى الله عليه وسلم: (انْتَدبَ اللّهُ لِمَنْ خَرَج في سَبِيلِه - لا يُخْرجُه إِلاّ إِيمانٌ بي وَتَصْدِيقٌ برُسُلي - أَنْ أُرْجِعهُ بما نال مِنْ أَجْر أو غَنِيمة، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنّة) [رواه البخاري] .

ولما كان الثمن تفضلا كان عظيما واسعا كأنه بغير نهاية، متناسبا في ذلك مع سعة الفضل الذي يملكه المتفضل، ففي صحيح البخاري بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها. ومَوضعُ سَوطِ أحدِكم من الجنةِ خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها، والرّوحةٌ يَروحُها العبدُ في سبيلِ الله أوِ الغَدْوَةُ خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها) .

وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إنّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدّها الله للمجاهدينَ في سَبيلِ الله ما بينَ الدرجتين كما بينَ السماءِ والأرض فإذا سألتمُ اللهَ فاسألوهُ الفِردَوسَ فإنهُ أوْسَطُ الجنة وأعلى الجنة - أَراهُ قال: وفوقَهُ عرشُ الرحمنِ - ومنهُ تَفَجّر أنهارُ الجنة) ، قال محمدُ بنُ فُلَيحٍ عن أبيهِ: (وفوقَهُ عرشُ الرحمن) .

وكان من هذا الفضل الرباني أن أتيحت الفرصة نفسها لمن تعرض للغزو مخلصا وإن لم يحصل عليه، ففي كتاب الجهاد للإمام عبد الله المبارك المتوفى عام 181 ه بسنده عن أبو صالح الحمصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يبعث الله عز وجل يوم القيامة أقواما يمرون على الصراط كهيئة الريح، ليس عليهم حساب ولا عذاب) ، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (أقوام يدركهم موتهم في الرباط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت