ولقد كان المسلمون في جهادهم ضد الحروب الصليبية على مستوى أعلى من العدو، أو على مستوى واحد معه، أو قريب منه، ولدينا نموذج تاريخي للتقدم العلمي لجيش المسلمين في عصر الحروب الصليبية متفوقا فيه على جيش الصليبيين.
ففي"الكامل"لابن الأثير [ج 10 / ص 191 - 193] في أخبار سنة ست وثمانين وخمسمائة:(كان الفرنج في مدة مقامهم على عكا قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا، طول كل برج منها خمس طبقات، كل طبقة مملوءة من المقاتلة، وقد جمع أخشابها من الجزائر وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق لها، وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات، وزحفوا بها من العشرين من ربيع، فأشرفت على السور وقاتل من بها من عليه، فأشرف البلد - عكا - على أن يسقط عنوة وقهرا، فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر فأعلمه ما هم فيه من الضيق وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم، فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج، وقاتلهم من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد، ودام القتال ثمانية أيام متتابعة آخرها الثامن والعشرون من الشهر، وسئم الفريقان القتال وملوا منه، لملازمته ليلا ونهارا، والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج، فأتاهم الله بنصر من عنده، وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفاطين وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار، فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما.
فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها، وطلب منه أن يأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما يعطيه حتى يحرقه، فأجابه إلى ذلك، وأمر المنجنيقي بامتثال أمره، فرمى عدة قدور نفطا وأدوية، ليس فيها نار، فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون ويرقصون ويلعبون على سطح البرج، حتى إذا علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج، وألقى قدرا ثانية وثالثة فاحترق البرج ومن فيه، فلما احترق البرج الأول انتقل إلى الثاني وقد هرب من فيه لخوفهم فأحرقه، وكذلك الثالث، وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله، فرحا بالنصر وخلاص المسلمين من القتل ... وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين، فبذل له الأموال الجزيلة والأقطاع الكثيرة، فلم يقبل منه الحبة الفرد، وقال إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه).