وهناك معادن أخرى، يعرفون الحق معرفة لا يعتريها لبْس، ولكنهم يعجزون عن مواجهة زحف الباطل، وصولة المذهب العاطل، فيخافون أن يُحَذِّرَ منهم فلانٌ أو فلان؛ فعند ذاك يرون طأطأة الرأس سبيلًا للنجاة!! ويا ليتهم عند هذا الحد يقفون، بل يتمادى بهم الحال إلى أن يرفعوا راية الباطل، ويستعملوا ذكاءهم وفهمهم، بتأويلات سامجة، ويطيروا بها يمنة ويسرة، كي يرضى عنهم الآخرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
إن هذا الصنف من الناس قد ابتلي بشهوات خفية، ومن ذلك حب الأتباع، ومن ابتلي بذلك؛ فإنه يشق عليه أن يفر عنه هؤلاء، ويرى أن الثبات على الحق؛ سيجّر عليه قدح فلان، وتحذير فلان، وعند ذاك فسيَنْفَضُّ عنه هؤلاء، فعند ذلك يرضخ للباطل، ويخضع للباغي المتطاول، وقد كان من الممكن أن يسلِّي نفسه بقوله تعالى، ذاكرًا عن موسى ما أوصى به قومه: [استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين] وقوله تعالى: [تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين] وقوله تعالى: [ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين] وقوله تعالى: [أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه] ولو عرف هذا الصنف قول العامة:"من كان الله معه؛ ما ضيّعه"لكان له في ذلك سلوان وتعزية، ولو عرف قول الفضيل:"لاتستوحش من قلة السالكين، ولا تغتر بكثرة الهالكين"لكفاه ذلك، ولو عرف قول من قال:"الجماعة هي الحق، ولو كنت وحدك"لحمله ذلك على الصبر والمضيّ في الطريق، فما بين الابتلاء والرفعة، إلا غشاء رقيق، من الصدق مع الله، وحسن الظن به سبحانه وتعالى، وصدق الله عز وجل القائل: [وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون] . والقائل سبحانه عز وجل: [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون] .
فوا أسفاه على هذا الصنف الذي ضل بعد هُدَىً كان عليه، وتفرق من بعد ما جاءه العلم بغيًا بينهم، وقد كان يسعه أن يسكت عن قول الحق - إن عجز عن الصدع به - أما أن ينطق بالباطل، ويزينه ويزخرف به على الجاهل، فتلك - والله - من البوائق، ومن نصر