(الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل) لأنهم ينظرون إلى الأسباب كالمطر غافلين عن المسبب, ومن وقف مع الأسباب فقد اتخذ من دونه أولياء فلا يخرج عنه المؤمن إلا بهتك حجب الأسباب ومشاهدة الكل من رب الأرباب وأشار بقوله (على الصفا) إلى أنهم وإن ابتلوا به لكنه متلاش فيهم لفضل يقينهم, فإنه وإن خطر لهم فهو خطور خفي لا يؤثر في نفوسهم كما لا يؤثر دبيب النمل على الصفا, بل إذا عرض لهم خطرات الأسباب ردتها صلابة قلوبهم باللّه.
قال الإمام الرازي: السلامة في القيامة بقدر الاستقامة في نفي الشركاء فمن الناس من أثبت ظاهرًا وهو الشرك الظاهر والاستقامة في الدنيا لا تحصل إلا بنفي الشركاء {فلا تجعلوا للّه أندادًا} [البقرة:22] ومنهم من أقر بالوحدانية ظاهرًا لكنه يقول قولًا يهدم ذلك التوحيد، كأن يضيف السعادة والنحوسة إلى الكواكب والصحة والمرض إلى الدواء والغذاء أو العمل إلى العبد استقلالًا, وكل ذلك يبطل الاستقامة في معرفة الحق سبحانه وتعالى, ومنهم من ترك كل ذلك لكنه يطيع النفس والشهوة أحيانًا، وإليه أشار بقوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية:23]
وهذا النوع من الشرك هو المسمى بالشرك الخفي والمراد من قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل {واجعلنا مسلمين لك} وقول يوسف {توفني مسلمًا} وأن الأنبياء مبرئون عن الشرك الجلي، أما الحالة المسماة بالشرك الخفي وهو الالتفات إلى غير اللّه فالبشر لا ينفك عنه في جميع الأوقات فلهذا السبب تضرع الأنبياء والرسل في أن يصرف عنهم الأسباب تردّها صلابة قلوبهم باللّه.
- (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل, وشرطة محجم, وكية نار, وأنهى أمتي عن الكي)
البخاري عن ابن عباس
(الشفاء في ثلاثة) أي أن الشفاء في هذه الثلاثة بلغ حدًا كأنه انعدم به من غيرها (شربة عسل، وشرطة محجم) الشرطة ما يشرط به، وقيل: هو مفعلة من الشرط، وهو الشق بالمحجم بكسر الميم، وفي معناه الفصد، وإنما خص الحجم لأنه في