المبحث الثالث
تأثر ابن الوزير وتأثيره
إذا كان الإمام الشوكاني يصف حال العلماء السابقين في مصر والشام بالجنوح إلى التقليد- مهما بلغ علمهم إلا القليل النادر- كابن تيمية وغيره فهذا يدل على أن ابن الوزير لم يكن له سابق تأثر به في عصره اللهم إلا ما كان من ابن تيمية وغيره يستشف ذلك من كتابات أبن الوزير حيث نجد أنها غير متأثرة بأحد وإن كنا نلحظ تشابها في بعض المواقف كالذي حدث بين ابن تيمية والخوارج [1] والروافض [2] من جهة والإمام ابن الوزير والزيدية [3] المتعصبة من
(1) الخوارج جمع خارج، وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق وأعلن عصيانه وألب عليه بعد أن يكون له تأويل، وعلماء الشريعة يسمونهم (بغاة) ا. هـ الفرق بين الفرق تعليق محمد محي الدين عبد الحميد ص 91، وقال أبو الحسن الأشعري: أجمعت الخوارج على الكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حكم ا. هـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ص 86،الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324 هـ، الطبعة الرابعة، الهيئة ألعامه لقصور الثقافة 1421 هـ 2000 م.
(2) الروافض ومنهم السبئية أظهروا بدعتهم في زمان علي رضي الله عنه فقال بعضهم لعلي: أنت الإله فاحرق علي قومًا منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن وهذه ليست من فرق الإسلام لتسميتهم عليًا إلهًا، ا. هـ الفرق بين الفرق ص 41،عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفي سنة 429 هـ 1037 م تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث القاهرة.
(3) ظهر مصطلح (الزيدية) بعد مقتل الإمام زيد رضي الله عنه وأصبحت تتبناه فرق نسبت إلى أصحابها مع تباين وجهات النظر، ولم يكن أصحاب هذه الفرق من العلويين بل كانوا من غيرهم بينما كان الاسم العام هو (الزيدية) إلا أن الفروق كبيره بين ما كان عليه الإمام زيد بن علي وبين ما كانوا هم عليه، علمًا بان فرق الزيدية الناشئة بعد الإمام زيد هي: =
1.... الجارودية وهي فرقة من الزيدية الشيعة نسبت إلى الجارود زياد بن أبي زياد وأبو الجارود هو الذي سماه الإمام الباقر سرخوبًا وفسره بأنه شيطان يسكن البحر وقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي بن أبي طالب بالوصف دون الاسم وزعموا أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي، وقالوا أيضا إن الحسن بن علي كان هو الإمام بعد علي ثم أخوه الحسين كان إمامًا بعد الحسن ا. هـ الفرق بين الفرق ص (51 - 52) .
2.... السليمانية: هؤلاء إتباع سليمان بن جرير الزيدي الذي قال: إن الإمامة شورى، وإنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة وأجاز إمامة المفضول واثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما، لأن عليًا كان أولى بالإمامة منهما إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفرًا ولا فسقًا وكفر سليمان بن جرير (عثمان) بالأحداث التي نقمها الناقمون منه، وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر عثمان رضي الله عنه. ا. هـ الفرق بين الفرق ص 53 - 54 وانظر مقالات الإسلاميين ص 68.
3.... البترية: هم أتباع رجلين أحدهما الحسن بن صالح بن حيي والأخير كثير النواء الملقب بالابتر، وقولهم كقول سليمان بن جرير في هذا الباب غير أنهم توقفوا في عثمان ولم يقدموا على ذمه ولا على مدحه وهؤلاء أحسن حالًا عند أهل السنة من أصحاب سليمان بن جرير، قال عبدالقاهر البغدادي هؤلاء البترية والسليمانية من الزيدية يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر والجاروديه يكفرون السليمانية والبتريه لتركهما تكفير أبي بكر وعمر وأجمعت الفرق الثلاث على القول بأصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار ا. هـ الفرق بين الفرق ص 54 - 55 وانظر مقالات الإسلاميين ص 68 - 69.
4.... الحسينية: هي فرقه من الرافضة يزعمون أن أبى منصور أوصى إلى ابنه الحسين بن منصور وهو الإمام بعده، إما الحسينية المنسوبة إلى الحسين بن القاسم العياني تـ (404) هـ فكان في اعتقاداته إماميه اثنا عشرية يقولون إنه حي لم يمت وانه لا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا إذ هو المهدي المنتظر في زعمهم وللحسينية اعتقادات خطيرة إذ يرون أن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ا. هـ انظر مقالات الإسلاميين ص 24 - والحسبة عند الزيدية ص 47 - 48 تأليف الدكتور يحيى حسين النونو الطبعة الثانية 2004 م-1425 هـ.=
5.... المطرفية: هم أصحاب مطرف بن شهاب العبادي الشهابي الذي أعلن مذهبه عام 388 هـ فهم يعتبرون أنفسهم تابعين للإمام الهادي بل يسمون أنفسهم يحيويين نسبة إلى اسم الهادي يحيى بن الحسين وقد يوافقونه في الفروع والإمامة، ولكنهم يخالفونه في أمور اعتقادية أخرى مثل حدوث العالم وأن الله فاعل مختار خلق الأصول الأربعة وهي: الماء والنار والهواء والثرى وهي التي تدير العالم وكذبوا ا. هـ نظام الحسبة عند الزيدية ص 47.
6.... المخترعة: جاءت المخترعة لتعارض المطرفية، وكان على رأسها علي بن شهر، وشهرته سلاح المناظرة مع المطرفية وقد سميت (مخترعة) لقولها باختراع الله الأعراض والأجسام ويقولون بإمامة علي بالنص الخفي وخطأ المشايخ بالتقديم عليه ومخالفة ذلك النص، والتوقف في تفسيقهم ا. هـ المصدر السابق ص 47.
والزيدية أعدل الفرق وأقربها إلى مذهب أهل السنة والجماعة وهي تنسب في اليمن إلى الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي الحسني (ت 244) الذي وضع أصول مذهبه على مذهب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أما الذي استولى على اليمن وأسس فيها الدولة الزيدية فهو حفيده الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم أخرج الهادي إلى اليمن بطلب من أهله سنة 280 هـ ثم عاد إلى الحجاز لما خذلوه، ثم ألحو عليه في الخروج مرة أخرى وناشدوه مساعدتهم للقضاء على فتنة القرامطة، فخرج سنة 285 هـ ويفيض الزيدية في الحديث عنه ويصفونه بالشجاع والورع وشدة البأس والقوه والعلم ويعدونه اكبر نعمه على اليمن بعد الإسلام. ا. هـ انظر كتاب الشافي للإمام عبد الله بن حمزة (1/ 342) الطبعة الأولى،1406 هـ- 1986 م، مؤسسة الأعلى للمطبوعات بيروت لبنان، وكتاب الإمام الشوكاني مفسرًا، الدكتور الغماري ص 44، الطبعة الأولى 1401 هـ 1981 م، دار الشروق جدة، وكتاب الزيدية نشأتها ومعتقداتها للقاضي الأكوع ص 26 دار البشير عمان 1408 هـ- 1988 م،
وقد حصل تطور للزيدية كفرقه في خطين متقابلين: خط عقدي وخط فقهي،
تمثل الخط العقدي في مبادئ التوحيد والعدل، والوعيد والإمامة.
وتمثل الخط الفقهي بالفقه وأصوله، فمنهم من وافق الإمام زيد ومنهم من يخالفه ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الزيدية يعتقدون بوجوب الاجتهاد ويرجعون إلى الإمام زيد نفسه الفضل في فتح باب الاجتهاد وإنارة سبيله ا. هـ، نظام الحسبة عند الزيدية دراسة مقارنه بالمذاهب الأربعة ص 50،43.
ما ذكرته هو الزيدية المعتدلة أما الزيدية المتعصبة فهو ما ستراه في موضوع البحث موقف الزيدية منه.