أهل هذا الشأن: قال والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالمًا، كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكَّي عدلًا.
إن الله سبحانه وتعالي هيأ لنا سلف صدق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار، في تفسير كتاب الله عز وجل، وسنة نبينا محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وآثار أصحابه، وقضايا القضاة، وفتاوي الفقهاء، وغير ذلك.
والتزموا وألزموا من بعدهم سوق تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرواة التي تساعد علي نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقدوا أحوال الرواة، وقضوا علي كل راوٍ بما يستحقه، فميزوا من يجب الاحتجاج بخبره ولو انفرد، ومن لا يجب الاحتجاج به إلا إذا اعتضد، ومن لا يحتج به ولكن يستشهد، ومن يعتمد عليه في حالٍ دون أخرى وما دون ذلك من متساهل ومغفل وكذاب.
وعمدوا إلي الأخبار فانتقدوها وفحصوها وخلَّصوا لنا منها ما ضمنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد عرفوا بسعة علمهم ودقة فهمهم: ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها، وبينوا خللها، وضمنوها كتب العلل.
وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلي ذكره، للدلالة علي كذب راويه أو وهنه. ومن تسامح من متأخر يهم فروي كل ما سمع، فقد بين ذلك، ووكل الناس إلي النقد الذي قد مُهدت قواعدُه، ونُصبت معالمه.
وكل ما ذكر دعت المتقدمين من علماء المسلمين، أن لا يعطوا الاعتبار للكتاب إلا إذا كان راويه الثقة الضابط العدل، قد قرأه علي مؤلفه، أو كان لديه سند متصل بقراءة الكتاب وتلقيه من شيوخه عن شيوخهم إلي مؤلفه. (وقولهم الإسناد من الدين، لا يعنون به قول المحدث:(حدثني فلان عن فلان) مجردًا، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم، حتي لا