أنظم طورا باللسان العربي ... وتارة بالأعجمي الأعذب
كما أن العالم الأصولي الأستاذ محمد بن علي اليعقوبي، قال في إجازته الكبرى:"في كل مؤلف منظوما أو منثورا عربيا أو عجميا، كل ذلك بشرطه المقرر عند أهل الأثر." [1]
إذا نظرنا إلى هذا الجهد الكبير الذي بذله العلماء قرونا بعد قرون وتساءلنا عن أسبابه ودوافعه، سنجدها ملخصة في الحماس الكبير الذي ظهر عند أبناء منطقة سوس لعقيدة الإسلام منذ اللحظة الأولى لوصول الفاتحين المسلمين، وتحتفظ كتب التاريخ بموقف مميز لقبائل المنطقة حينما أسلمت على يد عقبة بن نافع دون قتال بعد أن وفدت عليه وهو نازل بوادي سوس، [2] مما يبرز اعتناقها للإسلام برغبة ذاتية ودون قهر أو إرغام، وهذا الحماس دفع أبناءها للتعمق في معرفة العقيدة والفقه والتمسك بهما والعمل على نشرهما.
وهذا جعل سوس تتميز - وهي منطقة بدوية - بتأسيس قبائلها للمدارس العلمية وتموينها والقيام بالعلماء والطلبة الملازمين لها لتعلم اللغة العربية والقرآن والفقه المالكي، وكان لسكانها تقدير كبير لحفظة القرآن وحملة العلم، قال محمد بن أحمد المانوزي عن ذلك:
"فبذلك كله صار السوس مشحونا بأهل العلم والدين، وتعظيم الكل، فلا تسمع زمنئذ إلا لفلان ولد نجيب، ولفلان ولد حافظ للقرآن، ولفلان ولد عالم، فصار ذلك رائجا عندهم فبذلك زاد اغتباط الناس، فتنافسوا في تقديم أولادهم إلى المكاتب، فانتشرت العلوم وعمت الأقطار، ما بين عالم متفنن متضلع، وبين قارئ حمزاوي أو عشري مجود للقراءات متشبع." [3]
إن هذه السمات من محبة الدين وتعظيم القرآن والعلم الشريف، حملت الناس على التفقه في دينهم وتجاوز عائق العجمة والأمية واستعمال التلقي الشفاهي بوسطة الأمازيغية لمعرفة الدين والتعمق في أركانه وقواعده، لقد كانت هذه القبائل تعتقد أن العلم الديني أحد وسائل البقاء ويظهر ذلك في المؤسسات القبلية التي كانت تحرص على بنائها أو رعايتها، وهي الحصون القبلية للحفاظ على الأقوات والأموال زمن الحروب، ومخازن المياه لتوقي الجفاف، والمدارس العلمية لضمان وجود فقهاء يرجع إليهم في الملمات وأئمة للمساجد .. وهكذا كانت التأليف بالأمازيغية برهانا على تعلق المغاربة في منطقة سوس بدينهم وتمسكهم بشريعة الإسلام.
ب - أهداف الترجمة: أما هدف التأليف أو الترجمة فهو واضح يمكن اختصاره في الرغبة في تقريب المعرفة الدينية للأميين الأمازيغ، قال عبد الحميد بن الحسين الصوفي في كتاب تيليلا في تشليح الرسالة:
(1) - ألواح جزولة، ص: 52.
(2) - نص جديد عن فتح العرب للمغرب، صحيفة المعهد المصدري للدراسات الإسلامية، مدريد، عدد 1 - 2 المجلد الثاني، ص: 220.
(3) - المعسول، محمد المختار السوسي 3/ 2727 مطبعة النجاح الدار البيضاء 1960.