الصفحة 2 من 6

يمكن اعتبار الوقف من أهم المؤسسات الاقتصادية و الاجتماعية التي ساهمت على مر العصور و الأقطار في بناء الحضارة الإنسانية و الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية. و هي كمؤسسة كاملة و مستقلة للضمان الاجتماعي يمكن ... وضعها من الناحية الاقتصادية في خانة الاقتصاد الاجتماعي، أو اعتبارها نظام للضمان الاجتماعي مستقل تمام الاستقلال عن الدولة. و قد كان للوقف تأثير كبير سواء على نظام الملكية أو نظام الإنتاج أو نظام التوزيع. و قد توسعت بفضله الخدمات الاجتماعية لتصل إلى مئات من الخدمات، و لتنتقل من الحاجيات الأساسية إلى حاجيات دقيقة تنم عن رقي المجتمع الإسلامي و تنامي حاجياته الحضارية.

ويظهر أن التأثير الاقتصادي للحضارة الإسلامية عل المجتمع، لم يكن يضاهيه أي تأثير آخر في الحضارات الأخرى، بل إن غيبة التاريخ الاقتصادي في القراءة التاريخية للعالم الإسلامي تركت جملة من الأحداث التاريخية الكبيرة بدون تفسير، والعديد من الأسئلة بدون إجابات واضحة.

لقد طرح العديد من الباحثين الغربيين، المستشرقين منهم على الخصوص السؤال التالي: من أين استمد العالم الإسلامي وسائله المادية لتحقيق تمويل سريع لفتوحاته، ولتقدمه العلمي والفكري، ولتوسعه الجغرافي؟

هذا السؤال الكبير يوحى لنا بأسئلة أخرى، تفرض نفسها عند دراسة تاريخ التنمية في العالم الإسلامي في مثل:

-كيف استطاع العالم الإسلامي المحافظة على الأقليات الإسلامية في العالم بأسره/ ومقاومة ذوبانها، رغم عداء عدد من الأنظمة السياسية لها.

-كيف حافظ في مختلف مناطق العالم على نشاط وفاعلية دعاة المسلمين وعلمائهم في مختلف الظروف و الأحوال؟

-وكيف استطاع بشكل عام، رغم الظروف الصعبة التي مر منها، تحقيق الاستمرارية، وتحقيق التوسع، في الوقت الذي انقرضت فيه أو تقلصت العديد من الحضارات العلمية؟

الجواب على ذلك نجده في المؤسسات الإسلامية، وبالخصوص في مؤسستين ماليتين: مؤسسة الزكاة، ومؤسسة الوقف، التي سنذكر خصائصها وتأثيرها على التنمية.

الوقف صدقة من صدقات التطوع، يقوم بها الإنسان بمحض إرادته، حيث يهب جزءا من أمواله يخصصه لعمل من أعمال البر خدمة للصالح العام، وتقربا لله مصداقا لقوله تعالى: «وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعم أجرا» وقال النبي صلى الله عليه وسلم [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له] .

وخصوصية الوقف تكمن في صفة الدوام والاستمرار، من خلال وقف العين، والإنفاق من المنفعة وتحقيق دوام العين.

فلا يجوز التصرف في العين بأي شكل يؤدي لزوالها من بيع أو هبة أو إرث، لأنها تصبح ملكا خالصا لجهة الخير الموقوف لها. وبالتالي فهي تنفرد به الحضارة الإسلامية عن باقي النظم الدينية والوضعية المعروفة اليوم، حيث أنه يختلف في آن واحد عن نظامي (الملكية العامة) و (والملكية الخاصة) .

وهكذا تحول الوقف إلى مصدر أساسي لبناء ورعاية أهم المؤسسات التربوية الإسلامية انطلاقا من المساجد التي تفرغت عنها الكتاتيب القرآنية ثم المدارس، ليصبح بعد ذلك مؤسسة مالية مستقلة تؤدي خدمات عامة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وأحيانا واستراتيجية، وتغطي فضاء واسعا من المصالح الاجتماعية والتربوية والصحية و البيئية وخدمات البنية التحتية وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت