الصفحة 3 من 30

المبحث الأول: حقيقة التورق وأنواعه:

رغم أن التورق المصرفي منتج مالي جديد -كما ذكرت- إلا أن المذاهب الفقهية عرفت التورق قديمًا، حيث يُعد التورق المصرفي الحالي تطويرًا للتورق الفقهي الذي ذكره الفقهاء، لذا كان لزامًا أن أبين حقيقة التورق الفقهي بتعريفه لغة واصطلاحًا ثم بيان صورته عند الفقهاء والمذاهب فيه، وبعدها أبين التورق المصرفي.

أولًا: التورق الفقهي

التَّوَرُّق لغة مشتق من الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة من الفضة [1] ، ومنه قوله تعالى:"فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة" [الكهف: 19] ، فالتورق هو طلب الوَرِق أي طلب النقد، والمتورق هو طالب النقد.

أما التورق اصطلاحًا فهو لفظ خاص بالحنابلة ويقصد به عندهم: أن يشتري المتورق سلعة نسيئة لأجل بيعها نقدا لغير البائع الأول بأقل مما اشتراها به; ليحصل بذلك على النقد. ولم يرد هذا المصطلح إلا عند متأخري الحنابلة [2] ، أما المذاهب الفقهية الأخرى فتندرج عندهم هذه الصورة في بيوع العينة أو بيوع الآجال، حيث كانت هذه الصورة أحد بيوع العينة، ولذا فإن حقيقة التورق موجودة في المذاهب كلها إلا أنه مصطلح خاص بالحنابلة، وسأوافق الحنابلة في استعمالهم لمصطلح التورق لاشتهاره بين المعاصرين وللتفريق بينه وبين العينة.

ولا بد هنا من بيان حقيقة كلٍ من التورق والعينة وحكمهما لما سنلحظه من نتيجة مهمة تتعلق بالتورق المصرفي، أما التورق فقد ذكرت أن المتورق يشتري السلعة نسيئة من البائع ثم يبيعها لطرف ثالث نقدًا بأقل من سعر النسيئة ليتحصل على النقد. وأما العينة فيشتري السلعة من بائعها نسيئة ثم يبيعها للبائع نفسه نقدًا بأقل من سعر النسيئة ليتحصل على النقد أيضًا.

وأما حكمهما فذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنابلة- إلى حرمة العينة لما فيها من تحايل جلي على الربا فالبائع لا يبغي بيع السلعة وإنما أراد الزيادة، لكنه أدخل صورة البيع على سلعة ليتوصل بها إلى الزيادة الربوية [3] ، أما الشافعية فخالفوا الجمهور في تحريم العينة وصرح الشافعي في كتابه الأم بجواز العينة، وأطال في الاستدلال لجوازها، ووافقه في هذا أهل مذهبه، فكان مذهب

(1) - انظر: الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ص 295. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب 10/ 375.

(2) - انظر: ابن مفلح، محمد بن مفلح، الفروع، 4/ 126. المرداوي، علي بن سليمان، الإنصاف، 4/ 337. البهوتي، منصور بن يونس، كشاف القناع، 3/ 186. الرحيباني، مصطفى بن سعد، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، 4/ 63.

(3) - انظر: ابن الهمام، كمال الدين، فتح القدير، 6/ 433. الكاساني، مسعود بن أحمد، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 5/ 295. الخرشي، محمد بن عبد الله، شرح مختصر خليل، 5/ 93. الدردير، أحمد بن محمد، الشرح الصغير على أقرب المسالك، 3/ 116. ابن مفلح، الفروع، 4/ 125، البهوتي، كشاف القناع، 3/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت