الصفحة 9 من 27

فإِن من تأمل في صورة الإِنسان وهيئته، وتناسب أعضائه، وتناسق ملامحه، واعتدال قامته: علم أن صورته من أحسن الصُّور، سيَّما إذا قرنَّاها بما نشاهده من صور كثير من المخلوقات.

{وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي وإِليه تعالى وحده المرجع والمآب، فيجازي كلًا بعمله.

{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي يعلم ما في الكون من أجرامٍ ومخلوقات {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه من الأعمال والنيَّات {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي عالمٌ بما يختلجُ في الصدورِ وما أُسْدِلَتْ عليه السُّتور، وما انطوت عليه من خفايا وأسرار، فلا تخفى عليه خافية.

قال أبو حيّان:"نبَّه تعالى بعلمه بما في السماواتِ والأرض، ثم بعلمه بما يخفيه العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنَّته الصدور، على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل، ثم بسرِّ العباد وعلانيتهم، ثم بما تنطوي عليه صدورهم، وهذا كله في معنى الوعيد، إِذ هو تعالى المجازي عليه بالثواب والعقاب" [1] .

المناسبة بين المقدمة ومحور السورة

هذه السورة الكريمة هي سورة التغابن، ومحورها حول هذه القضية: معنى التغابن أسبابه وصوره سبل الوقاية منه، وحتى يسلَمَ الإنسانُ من التغابن فعليه أن يسلكَ طريقَ الإيمانِ، ولقد جاءت آياتُ المقدمة لتقرر قضية الإيمان بالله تعالى، وهي الركن الأول والأساسيُّ من أركان الإيمان، الذي ينجو به صاحبه من الغُبْنِ.

(1) - البحر المحيط لأبي حيان 10/ 189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت