الصفحة 2 من 27

بسم الله الرحمن الرحيم

* تُنْصَبُ الأسواقُ لساعات محدودةٍ، فترى الناس عليها مقبلين من كلِّ حدب وصوب، الكلُّ يتسابق لاغتنامها والناس بين مشتر وٍبائعٍ، ولكن سرعان ما ينفضُّ السوق وتتفرق الجموع، بين رابحٍ مبتهجٍ، وبين مغبونٍ مُبْتَئِس.

بيد أن هناك من يرتادُ الأسواقَ لإضاعة الأوقات في المُلهيات، وتبديد الأموال في المباهج والشهوات، ليخرج في النهاية صفر اليد فارغ الجيبِ، قارعا سنَّ الندم على ما ضيّعه، متحسرا على ما فاته.

ولو تصورنا أناسا على موعدٍ للهجرة إلى بلادٍ بعيدة، ومع كل واحدٍ رصيدٌ من المال، وقد طُلِبَ منه أن يشتري به كلَّ ما يحتاجه في البلاد التي يهاجر إليها، وقد قَرُبَ موعدُ السفر، والسفينة على الميناء تنتظر لحظة الإبحار، على أن للمسافر أن يحمل معه ما يشاء، وعليه أن يغتنم الفرصة؛ فالعملة التي يشتري بها لا قيمة لها فيما بعد، ولا استبدال لها في البلاد التي سينتقل إليها، والسلعُ التي في السوقِ أمامه ضروريةٌ ولن تتاحَ له هناك، كما أن السوق إذا انفضَّت لا تقامُ أبدا، وإذا ركب السفينةَ لا يعود أبدا، فإذا ضيَّع وقته دون أن يشتري ما ينفعُه أو اشترى ما يضرُّه وترك ما ينفعه، أو اشترى ما لا نفع له فقد خاب وخسر وقد غُبِنَ؛ إذ ضيع رأس ماله، ولم يؤمِّن مستقبله في دار المستقر.

{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} . [التغابن: 9]

* إذا كنتُ أعلمُ علمَ اليقينِ ... بأنَّ جميعَ حياتِي كساعةٍ

َفلِمَ لا أكونُ ضنينا بها ... وأنفقُها في صلاحٍ وطاعةٍ

* إنما دُنياك ساعة ... فاجعلِ الساعةَ طاعة

واحذرِ التقصيرَ فيها ... واجتهدْ ما قدرُ ساعة

وإذا أحببتَ عِزا ... فالتمسْ عزَّ القناعة

* وأعظم الغبن ما يقع في سوق الحياةِ، الذي يغدو إليه جميع الناس، فبائعٌ دنياه بأخراه، وتلك هي التجارة الرابحة، وبائعٌ آخرتَه بدنياه، وبائعٌ آخرتَه بدنيا غيره {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) } ... [الحج: 11]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت