ثم اسمع هذه الآية: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ الزخرف77 قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ الزخرف77
ماذا يريدون من مالك خازن النار؟ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ، يطلبون الموت، فهل يجابوا؟ نعم يجابوا، ولكن بجواب يخلع ما على قلوبهم إلا اليأس، قال لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ الزخرف78
مرحى أيها المبارك .. مرحى أيتها المباركة، وأنتم تقربون القرآن، وعيشوا مع هذه الآيات، وبهذا نستمتع بالقرآن، إن كثير منا يقرأ القرآن ولكنه يخرج بشاهد، ويسمع أغنية، أين أنت من القرآن؟
كيف كان حالنا مع الذكر، كيف كان حالنا مع البر والصلة، كيف كان حالنا مع الجود والصدقة وتفطير الصائمين، رمضان موسم للصدقة والإنفاق ألم يكن نبيك أجود الناس .. تشبه به، هذه كانت حقيقة أحوالنا للسنوات الماضية فهل سنبقى على هذا الحال؟
لقد كنا دائمًا نحدث أنفسنا بانتهاز فرصة رمضان، فها هو رمضان قادم، فما عسانا فاعلون؟ رمضان يطل علينا هلاله بعد أيام، فأي رمضان يكون رمضانك هذه المرة؟
* هل هو رمضان المسوفين الكسالى؟
* أم هو رمضان المسارعين المجدين؟
* هل هو رمضان الصيام والقيام الحقيقي؟
* أم هو رمضان صيام العادة وقيام الكسالى؟
* هل هو رمضان الحفظ على الجوارح والأركان؟
* أم هو رمضان الضياع ومشاهدة المسلسلات والأفلام؟ أيها الأحبة ..
ألم يعتصر في قلب كل مؤمن ومؤمنة يجدون شدته في صدورهم ووطأته على نفوسهم.
انه شبح الإعلام .. نعم الإعلام وبالتحديد الوسائل الإعلامية المرئية التي صارت تكثف جهودها وتحشد جنودها وترص صفوفها من أجل شغل الأوقات الفاضلة في هذا الشهر الكريم.
لقد تسابقت تلك القنوات تسابق غير شريف وتتنافس تنافسًا غير كريم لصد الناس عما ينفعهم.
أيعقل ياعقلاء قومي أن يصير هذا الشهر الكريم عند المحرومين شهرًا يتضاعف فيه الفسق والعصيان؟
أيعقل أن تتضاعف الجهود من أجل تحويل شهرا تتنزل الرحمات إلى شهر الفن والتمثيل والطيش والسفه؟
نعم والله لقد صار.
ماذا أصاب الناس؟ وما الذي دهاهم؟
أزهدوا في الثواب والأجر؟ أرغبوا في هذه المواسم العظيمة بالسيئات والأوزار؟
ألم يكفهم ماعليه الناس اليوم من ضعف في الإيمان وكسل
عن الطاعات حتى راحوا يفسدون على الناس موسمهم الكريم ببث أفلام ساقطة ومسلسلات هابطة وفوازير مفسدة، وأغان ماجنة، ألا بعد للقائمين عليها وسحقًا وتبًا لهم وقبحًا.
إنهم يهاجمون أيامًا مباركة.
أيها الصالحون .. إنهم يريدون إفساد ليالينا الفاضلة، يتسابقون في إقامة المسابقات التي لا يفوز إلا القلة النادرة، فهل نفتح بيوتنا وقلوبنا وقلوب أبنائنا لهم؟ لقد أبان الله هدف أهل الهوى والشهوات في آياته البينات فقال: وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا النساء27
أين ذهب بك عقلك أيها الصائم القائم؟ يوم تضيع هذا الموسم أمام شاشات ساقطة ومشاهد مخزية، إني سائلك أخي ومشدد عليك في المسالة فلا يجد نفسك عليّ شيء.
ما الذي تجنيه من الجلوس خلف تلك الشاشات؟
هل تخرج بزيادة الإيمان أم ضعفه؟ هل تجد من نفسك اندفاعًا لفعل المعروف والتسابق إلى مرضى الرحمن.
فوقوفًا أيها المباركون في وجه ذلك الشر والشبح القاتل والمفسد الخطير.
إن رمضان أيامه قليلة وساعاته تطوى سريعا، وهو والله أكرم أن يضيع في مباح فضلًا عن محرم.
تذكر ذهاب الشهر وانصرام أيامه التي لن تعود عليك إلا بعد عام كامل، كم يموت فيه من إنسان، فادعوا من هذا المكان الشريف أن تغلق كل ما يصدك عن ذكر الله، تفرغ لطاعة ربك، واجعل رمضان بابًا تلج منه إلى الخيرات.
لا تدع لأولئك اللصوص فرصة أن يسرقوا منك أغلى ما تملك وهو هذا الوقت الثمين وقلبك السليم.
رمضان والانطلاقة الكبرى:-
لا زلت أذكر تلك الليلة التي جاءني فيها ذلك الشاب بعد أن انتهينا من صلاة التراويح، فقال بنشوة وفرح، أشهد ك أني تائب عائد إلى الله تعالى ...
فقلت له: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدت.
نعم .. أيها الأخوة والأخوات ..
لقد كان رمضان سبب لهداية كثير من الناس تأثرت نفوسهم بالطاعات وخشعت قلوبهم للآيات، فتغيرت أحوالهم وتبدلت أوصافهم فقربوا بعد البعد، واجتهدوا بعد الكسل، انشرحت صدورهم للطاعات بعد أن كانت ضيقة، وسارعت نفوسهم لمحاب الله بعد أن كانت نافرة، فكم هي رحمة الله واسعة، وكم هي أنعم على عباده متوالية.
رمضان فرصة عظيمة لتبديل الأحوال، رمضان فرصة لمن كان مقصرًا في الصلاة أن يحافظ عليها.
رمضان فرصة لمن هجر القرآن أن يعود إلى كتاب ربه.
رمضان فرصة لمن تلبس ببعض المعاصي والمحرمات أن يتركها.
رمضان فرصة لمن كان بينه وبين أحد قطيعة أن يصل من قطع.
رمضان فرصة لمن تكاسل عن بعض النوافل أن يجتهد في فعلها.