الصفحة 51 من 55

علم الله تعالى

لئن اختلف علم الناس باختلاف ذواتهم كان طبيعيًا أن يختلف علم الخالق جل وعلا عن علم مخلوقيه فعلم الناس مكتسب قاصر وعلم الله أزلي كامل وعلم الناس بالموجودات متأخر عن وجودها وعلم الله بها سابق على وجودها والله تبارك وتعالى كما يعلم ما هو كائن يعلم ما كان وما سيكون فعلمه علم كامل أما الإنسان فقد يعلم بعض ما كان وقد يخطئ فيه أيضًا ولكنه لا يعلم ما سيكون عن يقين أبدًا فعلمه علم ناقص، والإنسان إذ يوفق إلى اختراع جهاز من مواد أولية معروفة أدرك خواصها وتأثيرها ويعلم الحكمة في وضع كل جزء من أجزائه ومبلغ قوته ومدى صلاحيته للعمل ولكنه لا يعلم ما كتب لاختراعه من توفيق ونجاح، والله الذي خلق جميع الكائنات من العدم وجعل لكل موجود خواصه وأودع فيه أسراره التي لا يعلمها إلا هو لاشك أنه يعلم مبلغ قوته ومدى صلاحيته للعمل وكل ما سيكون من أمره وما يقدر له من نجاح وتوفيق.

على أن العلم بالشيء سواء كان حادثًا أم قديمًا لا يستلزم وجود المعلوم فقد يعلم الإنسان أن الصدق منج ومع ذلك يكذب وأن الاقتصاد مفيد ثم يبذر وكذلك علم الله محجوب عن المخلوقات جميعًا ولا تأثير له في وجودها فهو ليس صفة تأثير كالقدرة وإنما هو صفة انكشاف وإحاطة: {أحاط بكل شيء علمًا} وليس العلم إلا الإحاطة بالشيء دون الجزاء عليه إذ الجزاء لا يترتب إلا على ما يكتب على الإنسان من عمل في اللوح المحفوظ بل يتجاوز ذلك إلى ما يعلمه الله مما يبيته الإنسان من قصد حيث يقول تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت