مشيئة الله تعالى
توصل الإنسان في العهد الحديث إلى أن علاقة الأفراد بعضهم ببعض وتصرفاتهم الشخصية لا يمكن أن تنتظم ما لم يوجد قانون عام يحتكمون إليه ويسترشدون به ويطبقونه على أنفسهم جميعًا دون تفرقة أو تمييز. هذا القانون الأساسي الذي ينظم القواعد العامة التي تقوم عليها القوانين هو ما يسمى بالدستور وكلما رسخ هذا الدستور في ضمائر الناس وزاد احترامهم له سهلت عليهم المعاملات وارتفع نظام المعيشة.
ومعلوم أن الدستور الذي يضعه الناس لأنفسهم يسري على الجميع دون تفرقة لا يحد من سريانه جهل البعض أو تسامي حكمته عن مدارك البعض الآخر بل هو ينفذ إذا ما استكمل شرائط النشر والإعلان المتعارف عليها.
هذا الدستور الذي يضعه الناس لأنفسهم يختلف في بلد عن بلد آخر حسب اختلاف عادات الناس ونضجهم السياسي وعرفهم الاجتماعي فهو من هذه الناحية دستور ناقص قابل للتطور ما تطورت العادات واختلف العرف وارتقت الأفكار بل قد يكون ظالمًا قاسيًا في بعض البلاد ولكنه مع ذلك واجب التطبيق لأن الشائع بين الناس أن المساواة في الظلم عدل.
والله سبحانه وتعالى المالك لجميع المخلوقات فاطر السموات والأرض قد علم في أزله أنه لا يمكن لهذا الكون الدائب في ملكه أن يستقيم أمره ما لم يكن هناك دستور ينظم علاقة الكائنات تنظيمًا لا تخرج عليه، ولا يمكن للبشر أن يعيشوا متصلين بالله ومتأثرين بأوامره وسننه ما لم يشرع لهم دستورًا يتمشى مع الفطرة التي فطرهم عليها