وهو مما انفرد به سبحانه ودونه عنده في لوحه المحفوظ وكل ما كتب فيه لا بد أن يكون وينفذ، وإنما أخبرنا جل وعلا بأن من حقه تعالى وحده أن يغير ويبدل في ذلك اللوح ما يشاء فلا راد ولا معارض حيث يقول: {لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعند أم الكتاب} [الرعد: 41] ، ولا دخل لهذا العلم بالمشيئة أو الإرادة إذ هو لا يحد من سلطان الله وقدرته، ولا يعطل إرادته أو يحول دون تنفيذ ما يرضيه، ولا يمكن أن يمنع رحمته عمن يريد من عباده، فالإرادة والرحمة من الصفات الثابتة لذات الله الدائمة بدوامه المرتطبة بما كتبه على نفسه نحو عباده وجعله معلقًا على أعمالهم وأمر رسوله في القرآن أن يبلغه إليهم بقوله: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي» [1] فكل ما يحصل من التغيير والتبديل والمحو والإثبات بسبب الإرادة والرحمة ما هو إلا نتيجة لما أخذه الله على نفسه وجرى به قلمه في أزله وجفت به الصحف وسنفرد الكلام عن هذا أيضًا بالتفصيل في نهاية البحث، والله الموفق للصواب.
(1) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ} (7404) ، ومسلم في كتاب التوبة- باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2751) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.