إننا نحتاج والله أن نستعير أعيننا ً تبكى لأن عيوننا جمدت، بحق نريد أن نقول: لماذا هذا الجفاف يا عين؟ لماذا هذا الجفاف يا عين؟ لماذا جفت عيوننا؟ لم جفت؟ كان أحد الناس يجلس في مجلس للوعظ فكان يبكى أشد من القوم، فقيل للشيخ:"أنهاه عن البكاء فإنه يفسد علينا المجلس"، فقال:"أبدًا بئس واعظ القوم أنا أن أنهاه عن البكاء إنما يبكى على تفريطه وحجبنا عن البكاء الغفلة". نعم ما منا إلا مُفَرط، هو يبكى على تفريطه وحجبنا عن البكاء الغفلة. علام نبكى؟
انظر إلى سفيان الثوري يقول عبد الرحمن بن مهدي واصفا ً إياه كنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعا ً مرعوبا ً ينادى:"النار النار". يارب قنا النار يارب نجنا من النار. سفيان يقوم في جوف الليل سفيان الثوري، وما أدراك ما سفيان الثوري، يقوم في جوف الليل فينادى:"النار النار، ذكر النار شغلني عن النوم والشهوات"، ثم يتوضأ ويقول على اثر وضوئه:"اللهم إنك عالم بحاجتي غير مُعلَم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إنك عالم بحاجتي غير معلم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إن الجزع قد أرقّني وذلك من نعمك السابغة عليّ، إلهي لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين"، ثم يزداد في البكاء حتى لا تعرف قراءته من بكائه.
قال الحسن:"يا حُسن عين بكت من خشية الله .. يا حُسن عين بكت من خشية الله".
عمر بن المنكدر كان يقوم الليل فلا يزال يبكى فانصدع قلب أمه فشكت ذلك وساقت عليه أخوه ورجل فقالوا له"إن الذي تصنع يشق على أمك، قال كيف أصنع إني إذا دخل الليل عليّ هالني فاستفتح بالقرآن وما تنقضي همتي،،، قيل فلم البكاء!! لا تبكى، لا تبكى. فقال آية من كتاب الله أبكتني، آية من كتاب الله أبكتني، قيل وما هي؟ قال: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [1] "
آه والله ماذا سيبدو لنا من ربنا، هذه النار تبكيك فإن لم تبكك النار فانظر ماذا سيبدو لك من ربك، ابكي على ما سيبدو لك من ربك، تلقاه يقول لك تعال، تعال يا زاني، تعالى يا سارق، تعال يا كذاب، تعال يا فتان، تعال يا نمام، تعال يا نَومان، تعال يا أكال، تعال، تعال يا غافل، لم غفلت عنى؟ تقول يارب صليت، يقول لك كيف صليت!! جسدك بين يدي وقلبك في البيت، كذاب، خذوه، فيبتدرك سبعون ألف ملك إلى النار، نعم ألا تبكى! تبكى على ما أنت فيه؟
{وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [2] , عتبة الغلام كان يبكى من السحر بكاء شديدا ً، فيقال"لم تبكى؟ يقول ذكرت العرض على الله"ذكرت العرض على الله، تمثل نفسك وأنت تقف بين يدي الله فريدا ً وحيدًا ضعيفا ً عاريا ً مسكينا ً يقول لك عبدي لم جعلتني أهون الناظرين إليك؟ عبدي لم عصيتني؟ عبدي ألم تكن تعلم أنى أراك؟ عبدي لم استهنت بعظمتي وقوتي؟ غُشي على عتبة يوما ً ثم أفاق فقال"قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين".كان يقول"مولاي أتراك تعذب محبيك وأنت الحيي الكريم". مولانا أتراك تعذبنا وأنت الحيي الكريم، يا حيي يا كريم لا تشوى خلقنا بالنار. نعم وقال إنما أبكى على تقصيري.
مسعر بن قدام بكى، فبكت أمه، فقال لها ما يبكيك يا أماه؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، فقال:"يا أماه لمثل ما نهجم عليه غدًا فلنُطِل البكاء، لمثل ما نهجم عليه غدًا فلنُطِل البكاء، لمثل ما نهجم عليه غدًا فلنُطِل البكاء"، ما بين سكرات الموت والتبشير بالجنة أو النار ونزول القبر وظلمته وضمته وسؤال الملكين وأبواب الجنة والنار، بين يديك أهوال، أهوالٌ وأهوال، لمثل ما نهجم عليه غدًا يحق لنا أن نبكى.
بكى وراد في مجلس وعظ بن ذر فقيل له: لم تبكى والناس لا يبكون؟ فقال والله إن هذا إلا من صفاء قلبه وتراكم الذنوب على قلوبنا، قال أبو ذر"مولاي عبدك، عبدك يحب اجتناب سخطك فاعنه على ذلك".
اللهم هؤلاء عبادك يحبون اجتناب ما يسخطك فأعنا على ذلك. اللهم يا منان عبدك يحب الاتصال بطاعتك فاعنه على ذلك بتوفيقك يا كريم، مولاي عبدك عظيم الرجاء عندك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه يا رحمن.
(1) سورة الزمر:47.
(2) سورة الزمر:47.