الصفحة 18 من 73

أخوتاه ... المؤمن صاحب قضية حين يدخل إلى شهر رمضان، فإنه يدخل وهو يعلم أن الصيام ما شُرع إلا لسر، إلا لسر، ما شُرع الصيام إلا لسر، سر أعظم. ليس الصيام مشروعا ً لنمتنع من الأكل والشرب والجماع فقط، وإنما سر الصيام أن تنتصر على نفسك فتعيش لله. فقط نريد أن نخرج بهذا المعنى، سر الصيام أنك تدعوك نفسك إلى الطعام فتقول لها نهاني ربى، تدعوك إلى الشراب تقول منعني إلهي، تدعوك إلى الجماع الحلال فتقول ألزمني بالترك سيدي؛ فأنا عبد الله لا عبدك أيتها النفس، أطيع الله ولا أطيعك، فإذا خرجت من رمضان وقد انتصرت، بلغت الذروة في الإيمان فبلغت ما يرضى الله. أسأل الله أن يبلغني وإياكم رضاه.

إن الحمد لله أحمده تعالى وأستعينه وأستهديه أؤمن به وأتوكل عليه، أثنى عليه الخير كله اشكر ولا أكفر ه وأخلع وأعادى من يفجره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبى وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أيها الأحبة ...

مازلت أناشدكم الله في وقفة صادقة مع النفس، أن نقف صادقين اليوم بعد أن علمنا سر الصيام أن ننتصر على أنفسنا فنعيش لله، فنكون ممن أُمِر أن يقول: ... {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ} [1]

فيحيا لله بعد ذلك.

مضت أحد عشر شهرا ً كم عصينا الله فيها؟؟ إنني كلما تأملت هذا العام الذي مر أجد الحصاد المر، أجد مُرًا ما أمره عشنا أحد عشر شهرا ً ما قدمنا فيها لديننا شيئا، ولا لأمتنا شيئًا، ولا لربنا شيئًا، عشنا لأنفسنا نأكل ونشرب ونلبس وننام ونفعل ما نشتهى ونسمع ما نريد، وإنما نعطى لديننا ولدعوتنا الفتات بل أقل من الفتات. نعم فضاع ملك الأمة، ضاع ملك الأمة بسبب أن ضيعنا ديننا وضيعنا أنفسنا وضيعنا ربنا منا، نعم فلم يعد معنا. إننا بحاجة أن يكون الله معنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، امكر لنا لا وتمكر بنا، انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم إنا نسألك أن تكون لنا.

نعم نحتاج أن يكون الله لنا. وكيف ذاك؟ كيف ذاك؟ إنني أحس بأن الجو لا يدفعني إلى أن اختم بسرعة- حر ولا برد- فالأمر يشجعني على أن أقول لكم في هذا اليوم أننا لا ينبغي أن ننفض وقبل دخول شهر رمضان حتى نراجع ربنا حتى نراجع ربنا.

يحضرني في هذا المقام قول أم أخر خليفة من خلفاء العباسيين حين ضاعت الأندلس فجلس يبكى، ماذا قالت له أمه؟ جلس يبكى على ضياع الخلافة وضياع المملكة وضياع الأمة وضياع الدولة وضياع العز، جلس يبكى فقالت له أمه: أبكي بكاء الأطفال على مُلك لم تحفظه كالرجال ..

لما لم تكن رجلا ً فكن طفلا ً عسى أن يرحمك الله. إننا بحاجة الآن إلى أن نكون أطفال، نعم نبكى على خيبتنا، نبكى على ما فرطنا في جنب الله، نبكى على أن ضيعنا من أعمارنا سنة، سنة!! وكم سنة وكم سنة؟؟ سنين .. سنين طوال. قال بعضهم إذا جلست بين يدي سيدك فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا لم يعطه أبوه شيئا ً بكى عليه. إننا نحتاج أخوتاه، نحتاج أن نبكى لله، أن نبكى له وأن نتهجد كما قال الله سبحانه وتعالى واصفا ً العباد الذين يحبهم: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا * قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [2]

ابكي في هذه الدنيا بعين ٍ ... بماء .. قبل أن تبكى يوم لا ينفع البكاء، قبل أن تبكى يوم لا ينفع الندم، قبل أن تبكى حين يقال: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [3] .

أحبتي في الله ...

إننا إذا نظرنا إلى حال السلف فإننا نجدهم إنما انتصروا بربهم، وإنما فازوا بمعرفة طريق الله، وصلوا إلى الله، وصلوا إلى مولاهم وبقينا، وتنعموا بوصاله وشقينا، فتجمعوا أهل القطيعة، تجمعوا أهل القطيعة والجفا نبكي شهورًا قد مضت وسنينا، أبكي على ظلمة قلبك ينير، أبكي على ظلمة قلبك ينير.

نزف البكاء دموع عينك فاستعر عينا ً لغيرك دمعها مدرار

من ذا يعيرك عينه تبكى بها أرأيت عينًا للدموع تُعار؟

(1) سورة الأنعام: 162 - 163.

(2) سورة الإسراء: 106 - 109.

(3) سورة غافر: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت