لما عوتب عطاء السليمي في كثرة البكاء فقال:"إني ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، فمثلت نفسي بينهم"، مثل نفسك هناك، بين أهل النار، مثل نفسك هناك بين أهل النار، لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، سرير من نار ولحاف من نار، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل، ماء من نار، إن يستطعموا يطعموا بالزقوم كالمهل يغلى في البطون، يطعموا نار، طعامهم نار وشرابهم نار وأسرتهم نار ولحُفهم نار، يمشون في نار ويأكلون نار ويشربون النار ويعيشون في النار ولا يخرجون من النار، يتمنون الموت فلا يموتوا. يقول:"مثلت نفسي، كيف تغل يدها إلى عنقها وتسحب في النار!! ألا تصيح فتبكى؟؟ كيف لنفس تعذب!! ألا تبكى؟؟ ويحك ما أقل غناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله".
يارب برحمتك نستغيث فلا تكلنا إلى نفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر. كان يقول:"الموت في عنقي والقبر بيتي وفى القيامة موقفي وعلى جسر جهنم طريقي وربى لا أدرى ما يصنع بي، ألا أبكى؟ ألا أبكى؟"
كان يقول عطاء السليمي"والله إني أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر أن أبكي، أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر أن أبكي"
نحن نهمله ونلعب ليلنا ليل البطالين ونهارنا نهار أهل الدنيا، وملك الموت في طلبنا لا يكف عنا، نوشك أن نموت.
بات جماعة من السلف على الساحل فضج أحدهم في البكاء فبكوا جميعا ً، فلما سألوه ما يبكيك قال"نظرت إلى أمواج البحر تجول وتموج فذكرت أطباق النيران وزفراتها فذلك الذي أبكاني".
أما الحسن البصري لما قيل له ما يبكيك قال"أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالى. أخشى أن يكون قد أطلع على بعض ذنوبي فقال اذهب فلا غفرت لك"
ضيغم بن مالك كان يرفع رأسه إلى السماء ويقول:"قرة عيني، إلهي، كيف عزفت قلوب الخليقة عنك؟". كان ربما أصابته الفترة، فدخل فاغتسل، ثم دخل بيتا فأغلق بابه وقال"إلهي إليك جئت عساك ترحمني".
نود أن نصنع ذلك والله أن نتقرب ونقول إلهنا إليك جئنا فارحمنا، عساك ترحمنا؟ عساك ألا تطردنا.
كانت أم ضيغم تقول له:"يا ضيغم، تحب الموت؟ فيقول: لا والله يا أماه، فتقول لم يا بني؟ يقول: لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي"فتبكى أمه ويبكى هو. لما سئل عن البكاء قال:"لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غدًا ما لذُّوا بعيش أبدا"لو تعلمون ما أنتم هاجمون عليه، ما أنتم مقبلون له، ما لذ لكم عيش أبدا ً.
ذكر الموقف وشدة الأمر، كل امرؤ يومئذ تهمه نفسه، لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، وعى المتهجدون قول مولاهم: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ) [1] , أمنتم أن يأتيكم بأس الله ليلا ً وأنتم نائمون!!
كان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته"ما شأنه؟ لم يبكى؟ فقالت: زعم أنه يريد سفرًا بعيدًا ولا زاد له", لمثل هذا فلنبكى , نعم .. إن سفرنا بعيد، سفرنا طويل، سفرنا كبير، وأين الزاد؟
(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [2] , نريد الزاد في رمضان , اللهم زودنا التقوى يا رحمن.
قال صهيب رضي الله عنه"إن صهيبًا ذكر الجنة طال شوقه لها، وإذا ذكر النار طار نومه خوفًا منها".
عوتب بعضهم على كثرة بكائه وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا؟! فقال: وهل خلقت النار إلا لأمثالي وإخواني من الإنس والجن. قال تعالى:
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [3] . يارب نجنا من النار وقنا عذاب النار وارحمنا بترك النار.
كان فتح الموصلي يبكى الدموع، ثم يبكى الدم، فقيل له:"على ماذا بكيت الدم؟ قال: خوفا على الدموع ألا تكون صحت لي، خوفا من أن أكون بكيت لغير الله، خوفا على الدموع ألا تكون صحت لي".
(1) سورة الأعراف: 97.
(2) سورة البقرة: 197.
(3) سورة الرحمن: 31 - 44.