خذ الأخرى لتنضم إليها فتقف بها موقفا ً، البراء بن مالك، البراء بن مالك ذلك الرجل أخو أنس بن مالك رضي الله عنهما. البراء بن مالك كان رجلا ً دقيق الجسم نحيفا ً صغيرا ً يقول له خالد:"هيا يا فتى الأنصار قم بهم"فينطلق البراء ويقف في وسط الأنصار ويقول"يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار لا تؤملوا، لا يؤمل أحدكم فيكون همه الرجوع إلى المدينة، لا مدينة بعد اليوم، إنما هو الله وحده ثم الجنة". الله اكبر، انظر وتأمل إلى تلك الكلمات، يقول يا معشر الأنصار لا يكون هم أحدكم أن يرجع إلى المدينة، لا مدينة بعد اليوم، إنما هو الله وحده ثم الجنة. يا الله .. يا الله على شباب المسلمين. أين الذي يقول لا مدينة بعد اليوم، لا زواج بعد اليوم، لا نساء بعد اليوم، لا شهادة بعد اليوم، لا شيء بعد اليوم، إنما هو الله وحده ثم الجنة. يارب ارزقنا الجنة يارب. نعم لا أقول هذا أنك تدع الزواج فلا تتزوج، إنما تتزوج لله وتدع هذا الأمر لا يشغل قلبك. إن المسلم أخوتاه يعيش لقضية، انتبهوا ليس معنى قولي لا شهادة بعد اليوم كقوله لا مدينة بعد اليوم، أي أن تترك مذاكرتك، أبدا ً بل ستذاكر وتتفوق لله، إنما لا يشغلن هذا قلبك. إن المؤمن يعيش لقضية، يحيا لها، علمه إياها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له" [1]
تلك قضيتك التي نشرها ربعي بن عامر:"إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العِباد إلى عبادة رب العِباد"، تلك قضيتك، قضيتك أن تنتشل عُباد الخنازير، أن تنتشل عُباد البقر، أن تنتشل عُباد الدنيا، أن تنتشل عُباد الجنيه، أن تنتشل عُباد المظاهر، أن تنتشل عُباد التليفزيون، أن تنتشل عُباد الطعام، أن تنتشل هؤلاء العُباد لتضعهم في مصاف عباد الرحمن. نعم لا مدينة بعد اليوم، إنما هو الله وحده ثم الجنة ... ثم الجنة.
ويكر المسلمون ويضغطون على جيش مسيلمة، ومسيلمة وجنوده ثابتون كالأطواد في الأرض، ولكن أنّى لجبال أن تقف أمام عواصف التوحيد، نعم فيقتلع المسلمون أصولهم ويُعمِلون فيهم القتل فيفر مسيلمة وجنوده إلى هناك إلى داخل حديقة سميت فيما بعد بحديقة الموت، حديقة ذات أسوار عالية، ويحتمي بها مسيلمة وجنوده ويغلقون الأبواب ويحاصر المسلمون الحديقة ويقفون مكتوفي الأيدي، ماذا يصنعون وجنود مسيلمة من الداخل يرمون بالسهام، والسهام تنزل على المسلمين كالمطر. هل يقف يقف المسلمون مكتوفي الأيدي؟ ماذا يصنعون؟ ماذا يصنعون؟ وهنا يظهر مخترع البراشوت الأول، هذا لتعرف أن أصولك عظيمة، وأن عقائدك تضرب في عمق التاريخ، أننا السابقون الأولون. نعم ... يخرج أول مخترع للبراشوت، نعم أتدرى من هو؟؟ البراء بن مالك أخو أنس بن مالك، يقول يا قوم أنقف هكذا؟ أبدا ً، احملوني على ترس، أجلس في ترس، والترس أشبه شيء به ذكرني هذا الدش الذي يسمونه .. قريب منه، كان يحمل هكذا ليحمى به الإنسان نفسه، يحمله في يده ليحمى به صدره ويرد به النبال والرماح وغير ذلك. انظر إلى ذلك المنظر قال:"احملوني في ترس واحملوا الترس على أسنان الرماح واقذفوني بالترس داخل الحديقة قريبا ً من الباب فإما أن استشهد وإما أن أفتح لكم الباب". الله اكبر ... يا لله ويا للمسلمين، وأين نحن من هؤلاء؟ كما ذكرت لك أنني كلما تذكرت هؤلاء شعرت بالخيبة.
انظر إنني أريدك أن تأخذ من هذا الموقف سرا ً، إشارة .. أن تقول إما أن أمكن لدين الله وإلا فلا حاجة لي بالوجود على ظهر الأرض. ومعلوم أن كل كلامنا هذا ينصب على المنهج السلفي. انتبه .. بمعنى أنك صاحب عقيدة تريد أن تنشرها، لا صاحب هدف قتل تريد أن تقتله. انتبه إلى هذه القضية.
نعم أخوتاه، يقول احملوني على ترس واحملوا الترس على أسنة الرماح وارمونى داخل الحديقة، اقذفوا بي داخل الحديقة قريبا ً من الباب فإما أن أفتح لكم الباب وإما أن استشهد. ويحملونه ويلقون به داخل الحديقة ويدخل البراء ويصل إلى الباب بعد أن يَقتل ويَطعن ويَضرب ويُدافع ويُنافح ويزود ويسود، حتى يَفتح الباب ويدخل المسلمون إلى تلك الحديقة فيقتلون عشرين ألفا ً من جند مسيلمة في هذه الساعة، ثم يجلسون لعلاج البراء فيجدون به أكثر من ثمانين طعنة، أكثر من ثمانين طعنة، حتى أنه يذكر أهل التوريخ أن خالد بن الوليد جلس لعلاجه بنفسه شهرا ً. شهر علاج ثمانين طعنة من ضربة بالسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، ثمانين طعنة ولكن بعد أن مكن لدين الله. إننا لا نريد أن تكون هذه القصة كقصص أبى زيد الهلالي أبدا ً وإنما نريدها قصة تكون واقعا ً في حياتنا.
أنك رجل صاحب قضية يدخل شهر رمضان، وعلى وشك أن يدخل شهر رمضان وأنت تعلم أننا في هذه الأيام أمة كأنها مخذولة، أمة لا قيمة لها على ظهر الأرض، أمة صار دم المسلم أرخص دم على ظهر الأرض، والعرض المسلم أسهل عرض ينتهك على ظهر الأرض.
(1) مجموع الأحرف: 280