الصفحة 5 من 6

وعلى قاعدة هذا التناقض يكشف شريعتي أن العالم الذي لا يعيش إلا في كنف الحضارات الدينية؛ لأن الدين بُعد أساسي في نشوء الأمم والمدنيات.. يعاني من مواجهة دائمة وأساسية بين دين ودين. ومن هنا جاء عنوان كتابه:"دين ضد الدين". أما الأول فهو"الدين المنفتح"الذي يلبِّي أشواق الناس وتطلعاتهم، والثاني هو"الدين المنغلق"على عقائده الجامدة المتحجرة الذي يستلب إرادة البشر.

وحيث إن كل دين يرنو في البداية إلى جادة الحق والصواب قبل أن تضع هذه السلطة المركَّبة يدها عليه وتحرفه عن مساره؛ فإنه يتحول بعامل الخوف والجهل والمُلكية والتمييز الطبقي إلى دين تبريري تخديري (إلى"دين أفيوني"، حسب عبارة شريعتي) ، وهذان القطبان المتعارضان المتناقضان في داخل كل دين -أو بين دين وآخر- مستمران في حربهما أحدهما ضد الآخر منذ بداية النوع البشري.

لكن يجب ألا يُفهَم من هذا الكلام أن شريعتي ينتقد أصل التدين كما كانت حال ماركس، عندما قال كلمته المشهورة:"بالنسبة إلى ألمانيا اكتمل جوهريًّا نقد الدين، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكلِّ نقد"، إنما ينحو شريعتي إلى تصويب مسار الدين، وتعديل دوره في خدمة الناس، وإلى إيقاف الإسلام على قدميه.

فإن الدين يفقد غايته وعلة وجوده بفقده دوره الاجتماعي والروحي وفعاليته الواقعية ومراميه التغييرية؛ فكلُّ شيء -في نظر شريعتي- ينزع إلى ذاته فحسب، ولا يكون وسيلة لمأرب أو هدف؛ لأنه يفقد فائدته وقيمته مهما كان مقدسًا؛ لذا كان فهم علي شريعتي للإسلام على الدوام أنه إسلام احتجاجيّ اعتراضيّ.

وفي حياته كان علي شريعتي مؤازرًا لحركات التحرر الوطنية، وعلى رأسها الثورة الجزائرية، وانضوى في شبابه في حركة المقاومة الوطنية التي أنشأها طالقاني وبازركان وزنجاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت