ويمثل شريعتي بإشكاليته الفكرية مظهرًا من مظاهر أزمة المصالحة العسيرة بين العناصر المتنافرة في العالم الإسلامي الذي كانت تتجاذبه تجلِّياتُ الأنماط السلوكية التغريبية والأفكار التحديثية، متزامنة مع ذيوع المقولات اليسارية والشيوعية ذات المنحى الكفاحي الأيديولوجي، وفي ضوء هذا المسعى التصالحي حثَّ شريعتي على ضرورة اقتباس التجارب الغربية وتوظيف الوسائل الإعلامية؛ كالتلفزيون والمسرح والسينما، في شئون الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، دون المساس أو التعارض مع الدين.
بل لقد رأى أن هذه الوسائل تخدم الدين، وتساعد على نشر الأفكار والعقائد والثقافة الإسلامية. ويصف شريعتي هذه المصالحة بأنها حضارية راقية، تعبِّر عن التقليد بشكله الإيجابي الواعي. أما التقليد الذي يستحق الإدانة والشجب في نظره فهو التقليد الأعمى.
ويمتص شريعتي الكثير من المقولات والمفاهيم المختلفة المنتزَعة من حقول الدراسات والعلوم الإنسانية الحديثة التي كان متضلعًا فيها، بحكم اختصاصه في جامعة السوربون في علم الاجتماع الديني وتعرُّفه على أساطين الفكر، مثل ريمون آرون وماسينيون وجاك بيرك وهنري ماسيه وسواهم. وهو يعيد توظيف هذه المفاهيم لبناء نظريته التوفيقية التي تؤالف بين التراث والعصر.
واقتبس شريعتي -الذي تعمق في فهم تاريخ الأديان- من أطروحة هنري برغسون تفريقَه بين"الدين المنغلق"و"الدين المنفتح"، ليستخدم هذا التفريق نفسه لبناء ثنائيته الشهيرة التي تميز بين"دين الملوك"و"دين العامة"، وبين التشيع العلوي (الحق) والتشيع الصفوي (المنحرف) .
وشريعتي -الذي ينظر إلى الغرب نظرة إعجاب وارتياب في الوقت نفسه- يقرُّ بالمسيرة العلمية التصاعدية التكاملية التي وصل إليها الغرب وتفوَّق فيها على الشرق. إلا أنه ينكر عليه تفوُّقه على الشرق في المواضيع الأخلاقية والمواضيع المعنوية!