وروى البخاري أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تصالح مع قريش في الحديبية كبت علي رضي الله عنه كتاب الله، وزاد رسول الله فامتنع الكفار عن قبله وقالوا: لو سمنا بهذا اللقب ما حاربناه وصددناه عن طواف البيت. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك فم يمح لكمال الإيمان، وخالف رسول الله، فمحاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يده الشريفة، ولم يعد هذا ردًا للوحي فكيف يطعنون على عمر ما هو أخف من ذلك.
والطعن الثاني: قولهم: أهجر مع أن الأنبياء معصومون من هذه الأمور؛ ومن يثبت أن عمر رضي الله عنه قائل هذا القول؟ مع أنه ورد في أكثر الروايات قال: استفهموه.
والطعن الثالث: إنه أتلف حق الأمة إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلال.
والرد على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد ذلك أربعة أيام فإذا كان أمر يحول بين الأمة والوقوع في الضلال ما تركه - صلى الله عليه وسلم - وأيضًا فإن الشرعية قد كملت بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فلا وجه للطعن هنا.
والطعن الرابع: أن عمر رفع الصوت، وتنازع عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أمر منهي عنه شرعًا.
والرد: من يستطع أن يثبت أن عمر أول من رفع صوته عنده - صلى الله عليه وسلم - . ولو فرض فرفع صوته على الحاضرين لا على صوته - صلى الله عليه وسلم - .
ذكر الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله أن لفظ (أو فنسيتها) من قول سليمان الأحول، وهو راوي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ونسبة هذا القول إلى سفيان بن عيينة، لا من كلام عمر رضي الله عنه.
فأي مطعن على الفاروق رضي الله عنه في هذا الأمر كله.
إن علة هؤلاء ا،هم كمن يحثون عن الوسخ في عن الحدائق، كمن لا يسمون من الزهر، إلا الريح النتن، فالعلة في العقول والأنوف، لا في الحدائق والأزهار.