من مطاعنهم على عمر رضي الله عنه وهو أعظمها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحبة الحاضرين في حجرته المباركة: ائتوني بكتف اكتب فكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له؟ أهجر؟ استفهموه فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيز لهم، والثالثة إما أن شكت عنها وإما أن قالها فنسيتها.
ووجه الطعن على عمر رضي الله عنه من أوجه:
أولها: أنه رد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله كلها وهي لقوله قال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .
والفاروق لم يرد قولًا له - صلى الله عليه وسلم - ، غاية الأمر أنه وحد رفعًا للصوت عنده، وهذا لا ينبغي لا سيما في مرضه فأشفع عليه - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا اعتبرنا رد كلامه ردًا للوحي فقد رد علي كلامه - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مرة، ولم يعتبر أحدًا ذلك ردًا للوحي.
ففي صحح البخاري بطرق متعددة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بيت فاطمة رضي الله عنها، وأيقظها من مضجعها وأمر بصلاة التهجد مؤكدًا فقال علي: والله ما نصلي إلا ما كتب الله علينا (أي الصلاة المفروضة) وإنما أنفسنا بيد الله، يعني: لو وفقنا لصلاة التهجد لصلينا فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضرب على فخذيه ويقول: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} ، ولم يلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لصحة القرائن على استقامته ولم يعد ذلك ردًا للوحي [1] ...
(1) انظر مختصر التحفة الاثني عشرية ص249، وما بعدها