ومن المعروف عن الدكتور كوربان أنه كان أستاذًا محاضرًا في جامعتي السوربون وطهران وكان أيضًا رئيسًا للمعهد الفرنسي -الإيراني، وقد استغل كوربان فترة وجوده الطويلة في إيران أفضل استغلال، فاطلع على كثير من المخطوطات والوثائق الاسلامية، وكان على اتصال وثيق مع كبار رجال الفكر والدين هناك، خاصة اتصاله الوثيق والصداقة الوطيدة التي نشأت بينه وبين العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الذي يعتبر رائدًا في منهج البحث العقائدي الحديث، وقد بدأت قصة كوربان مع فكر أهل البيت (ع) عندما طلب عام 1959 لقاء مع السيد الطباطبائي، صاحب تفسير الميزان الذي بلغت شهرته الآفاق، وكان طلب كوربان لقاء الطباطبائي من أجل المناقشة والحوار القائم على تقبل وجهات النظر المنطقية ومن ثم الخروج بنتيجة مفيدة تلخص النقاط التي أراد كوربان طرحها ومناقشتها مع السيد الطباطبائي.
والحقيقة أن السيد الطباطبائي انطلق في حواره مع كوربان من تصور مؤداه أن الإسلام الأصيل وعلوم أهل البيت (ع) لم تعرف طريقًا لها إلى العالم الغربي، وهذا لأن رؤية جميع المستشرقين الذين أخذوها عن الإسلام والتشيع عكست بعدًا أحاديًا في أذهانهم من خلال اعتمادهم على مصادر فريق واحد وإهمالهم للفريق الآخر، حيث كان من نتيجة ذلك، حسب رأي الطباطبائي، أن الصورة التي تشكلت لدى أولئك عن التشيع لم تزد عن كونه فرقة منشقة عن المجرى الأصلي للاسلام، اختلفت مع الأكثرية على قضايا سياسية في طليعتها موقفها من الخلافة والحكم (3) .
وقد ذكر كوربان نفسه -كما يقول السيد الطباطبائي- أن ما جناه المستشرقون حتى الآن من معلومات عن الإسلام اقتصر على مصادر أهل السنة ولم يتجاوزها إلى غيرها أبدًا، بحيث لم ينفتح هؤلاء المستشرقون على غير هذا المحيط فيما يحفل به من مصادر ورجال، بل نراهم عادوا إلى مصادر أهل السنة وعلمائهم في تشخيص المذاهب الإسلامية المختلفة (4) .