الصفحة 3 من 11

ولكن من اللافت للانتباه حقًا أن معظم هؤلاء المستشرقين الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين كانوا يعتمدون في دراساتهم عن الإسلام على مصدر ذي اتجاه محدد لا غير، فجاءت دراساتهم غير كاملة وغير ناضجة تمامًا، لأن الذي ينظر إلى الأمور بعين واحدة ستبقى نظرته ناقصة وغير مكتملة تمامًا، بل ستظل رؤيته للأمور ضبابية وكأنه ينظر إلى الأمور بواقعيته الخاصة لا كما هي في حقيقتها أبدًا، فالمصدر الوحيد الذي اعتمده المستشرقون هو المصدر التاريخي الذي كتبه رجال السلطة وأصحاب القوة المادية الذين تربعوا على كرسي الحكم باسم الإسلام وهم أبعد ما يكونوا عن مبادئه وأحكامه وروحانيته، فتحول كرسي الخليفة إلى عرش ملك.

إذًا فالتاريخ الإسلامي كتب بيد السلطان أو الملك المدعي للخلافة الذي كان يغدق بالأموال على الشعراء والكتاب والمؤرخين كي يكتبوا ما يشاء من أحاديث وأحداث، ذلك التاريخ الذي أغفل عمدًا الجوانب الروحية في الرسالة الإسلامية، تلك الجوانب التي مثلتها مدرسة أهل البيت (ع) خير تمثيل، وبالرغم من كل ما حدث من خلط أوراق مهمة في التاريخ الإسلامي وتشويه لكثير من الحقائق فيها، إلا أن إسلام الكلمة والروح بقي أقوى وأكثر إشراقًا من إسلام السيف وإيمان المظاهر الخادعة، وبقيت مدرسة أهل البيت (ع) المدرسة الأولى التي كانت ولا تزال تمثل الحبل المتين والعروة الوثقى التي تربط أتباعها بين عالمين، عالم الأرض وعالم السماء كي تحقق بذلك التوازن المادي - الروحي في النسيج الفكري - الجسدي للإنسان المسلم حقًا.

وعلى ما يبدو فإن المستشرق الفرنسي الدكتور (هنري كوربان) من القلائل الذين فهموا هذه الحقيقة عن التاريخ الإسلامي وعن الممثل الحقيقي للجانبين الفكري والروحي في هذه العقيدة السماوية، وكان أيضًا من القلائل جدًا الذين كتبوا بنزاهة وجدية عما اكتشفوا من حقائق لا تقبل الطعن، عن الدين الإسلامي الحنيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت